جريدة البشاير | الاستشراق في عصر التفكك الاستعماري |
رئيس التحرير:حسن عامر
رئيس مجلس الإدارة:شريف اسكندر

الاستشراق في عصر التفكك الاستعماري

الثلاثاء 1 اكتوبر 2013   4:54:45 م - عدد القراء 197


بهداد يستعين بنصوص نظرية من حقول معرفية مختلفة وفقا لرؤية جيل دولوز عندما يجد أنها تحقق الإضافة في بحثه.

يعتبر بهداد أن استشراق إدوارد سعيد كان انطلاقة لعدد من نقاد ما بعد الاستعمار

اختلفت الدوافع التي قادت الرحالة الغربيين إلى زيارة الشرق، منها ما كان سياسيا مهد للحقبة الاستعمارية، ومنها ما كان لغاية الحج إلى بيت المقدس، في حين كان من ضمنها التعرف إلى عالم الشرق واكتشاف عوالمه الغريبة بعد أن عملت الترجمة الفرنسية لكتاب ألف ليلة وليلة بصورة خاصة على رسم صورته المثيرة والجنسانية في المخيال الغربي.

هذه الرؤية المسبقة للشرق تركت أثرها في دراسات الاستشراق، الأمر الذي استدعى من عدد من المفكرين العرب والأجانب كشف الأنساق التي اتخذتها وما تضمره من دوافع ونقدها.

كتاب الباحث والأكاديمي علي بهداد"الرحالة المتأخرون: الاستشراق في عصر التفكك الاستعماري"، يعتبر إضافة مهمة في هذا السياق تنزع نحو مناقشة الأطروحات والتمثلات التي قدمها خطاب الرحالة الغربيين في القرن التاسع عشر عن الشرق في مدونات رحلاتهم، مستخدما في سبيل ذلك منهج النقد الثقافي.
يحدد الباحث في كتابه الدوافع الأساسية التي قادته إلى إنجاز هذا العمل في التمثيلات السالبة للشرق التي ما تزال تعيد إنتاج نفسها في الثقافة الغربية، إضافة إلى الدور الذي ما يزال يلعبه خطاب الرحلة بقوة ما يستدعي بلورة ممارسة تمثيلية مضادة له بحيث يشكل خطابا معارضا لخطاب الاستشراق الغربي.

انطلاقا من هذه الرغبة يكشف الباحث عن مسعاه الذي يتوخى فيه تأسيس معرفة تاريخية حول تعقد الاستشراق من خلال تعيين هويته الثقافية ومفصلة أكبر عدد من التكتيكات الفاعلة والمعارضة لسلطة خطاب الاستشراق القهرية.


الخطاب المضاد

يحاجج الباحث في الأسباب التي تتيح للاستشراق أن يحافظ على قوته الإنتاجية في علاقات السلطة الكونيالية الجديدة في كونه خطابا مهيمنا استطاع دمج عناصر أيديولوجية متخالفة ومتغايرة ما سمح بإنتاج سلسلة كاملة من الممارسات الخطابية المهيمنة في حقل غير معرفي، الأمر الذي يتطلب من التكتيكات الجديدة المعارضة أن تتمفصل في سلسلة متكاثرة ومتحولة من الحركات المحلية المناهضة لخطابات السلطة الكونية.

كما يتطلب من هذه الحركات لكي تكون ذات فاعلية وتأثير أن تتبنى شكلا تكتيكيا ومناقضا للشمولية ويختلف عما هو سائد الآن. ويوضح الأساس القائم على وعي لا مركزي الذي ينطلق منه في دراسته لنصوص تنتمي إلى غير حقل تمثيلي من الحقول التي ظهرت في فرنسا وبريطانيا إبان القرن التاسع عشر كمدخل للإضاءة على تعقدات الاستشراق دون أن يسعى لخلق وحدة موضوعية.

ويعترف بهداد بأنه استعان بنصوص نظرية من حقول معرفية مختلفة كالأنثربولوجيا والنظرية الأدبية والتاريخ والفلسفة والتحليل النفسي وفقا لرؤية جيل دولوز عندما يجد أنها نافعة وتحقق الإضافة في هذا البحث.
من هنا فإن هذا الكتاب هو سرد متجاوز حول مختلف أنماط الترحل عبر النصوص الأدبية والحقول النظرية والتصويرات والصور الفوتغرافية والعلامات والرسائل والآثار بحيث تصبح الكتابة فيه بوصفها نمطا من نظرية مترحلة بمثابة انزياح في المكان والزمان .

يعترف الدكتور بهداد بأن بحثه بدأ كعمل يختص في مفهوم المعارضة في النصوص الاستشراقية الحديثة بهدف الوصول إلى شيء كان يعتقد أنه غائب وهو حضور المعارضة والأيديولوجيات المضادة في ثنايا الخطاب المهيمن.

ثم اكتشف بعد ذلك بصورة واعية حضور غيابها عندما استطاع أن يعثر على ممارسات خطابية مضادة، لكنها كانت تعمل داخل النظام بوصفها نواتج علاقاته السلطوية، ما قاده إلى اكتشاف أن المعارضة هي عنصر تشكيلي يتوسط عملية إنتاج السلطة والمعرفة الاستشراقية، ما جعل البحث يتجاوز موضوع الاستشراق إلى ما هو أبعد منه وهو الدراسة ما بعد الكونيالية للسياسات الخاصة بالرغبة الأوربية في الآخر ووظيفتها الإنتاجية في خطاب السلطة الكونيالية.

من جهة ثانية يؤكد مشكلة اتجاه ما بعد الكونيالية وسياساته تتطب نمطا معرفيا مضادا من أجل الفصل بين الحقول المعرفية بهدف إعادة التفكير في العلاقات والتمايزات القائمة بين الأيديولوجيا والتاريخ والثقافة النظرية، ذلك أن علم الإمبريالية بوصفه خطابا حديثا للسلطة يتطلب تعددية في الموضوع والمواقف والأيديولوجيا.

المستشرقون المتأخرون

يعتبر الباحث أن استشراق إدوارد سعيد بوصفه ناقدا سياسيا للاقتصاد الثقافي الخاص بالإمبريالية الأوربية كان انطلاقة قوية لعدد من نقاد ما بعد الكونياليين، فقد عمل على عرض نقدي للركائز الأيديولوجية للتمثيلات العلمية والفنية "للآخرية" في التاريخ الأوربي الحديث في مسعى لتفكيك المعرفة الغربية حول الآخر وصولا إلى الكشف عما تقوم به التمثيلات الاستشراقية من تأسيس لعلاقة من القوة والسيطرة ودرجات من الهيمنة بين الشرق والغرب وذلك من خلال عمل شاق لوصف البنية المتماسكة والممنهجة للاستشراق والأنماط الجوهرية لتمثيلاته التي تنطوي على غرض إستراتيجي يهدف إلى خلق أنموذج ناجع لتسويغ تملك الآخر، وتقسيم العالم إلى ثنائيات ضدية.

لكنه ينتقد مقاربات سعيد من حيث أنها تشكل خطاب سلطة اختزالي خالص ومنحاز لا يدع مجالا للاختلافات داخل الأنماط المختلفة للتمثيل الاستشراقي وفي علاقات السلطة لديه.

إن أول ما يلاحظه الباحث في خطاب الرحالة المتأخرين في أواسط القرن التاسع عشر ونهايته هو التغاير الخطابي وتمظهراته الأكثر تعقيدا حيث اضطلع مستشرقو ذلك العصر بالمشروع الأكثر غرائبية الناجم عن القلق الناشئ من قدومهم المتأخر في زمن حولت فيه السلطة الكونيالية الأوروبية الغرائبي إلى علامة مألوفة تؤشر على الهيمنة الغربية.

الأمر الذي جعل هؤلاء الرحالة يشعرون بقلق الاقتلاع في الزمان والمكان، نجم عنه شعور بالتيه أو إلحاح أقرب إلى الوسوسة لاكتشاف الآخر "الحقيقي" في حين أن تجربة الارتحال المتأخرة جعلت مستشرقين آخرين أمثال فلوبير ونرفال وإيزابيل إيبرهاردت مدفوعين بالحنين نحو الآخر الخفي ما جعلهم أكثر إدراكا للتملك الأوروبي للشرق واختراقه.

من هنا يجد أن تلك الممارسات الخطابية لهؤلاء المستشرقين المتأخرين تتسم بالانشطار إذ هي تندرج في اقتصاديات السلطة الاستعمارية من جهة ومن جهة أخرى تشف عن الرغبة الأكثر غرائبية تجاه الآخر الخفي ما جعل الشك يحل محل يقينية المستشرق ذي العلمية المزعومة.

الباحث يبرهن على ذلك بما يجده في كتابات كاتب إمبريالي صريح هو كيبلينغ من انشطار في موضوع الهوية. ورغم ذلك يجد في هذا الفصام وظيفة إنتاجية كونها تستبعد الأنماط الفجة للتمييز العرقي وتردها إلى الاختلاف المتنامي.


المشاركة الثقافية


يعترف المؤلف بأن بحثه يهدف إلى الوصول إلى شيء كان يعتقد أنه غائب وهو حضور المعارضة والأيديولوجيات المضادة في ثنايا الخطاب المهيمن.
تنطوي كتابات الرحالة المتأخرين على علاقة توسطية بين رغبة المستشرق في المعرفة والسلطة ففي كتاب رحالة في الشرق لنرفال تتحول العلاقة من مراقبة بعيدة إلى مشاركة حميمية بأثر من عودة هذه الرغبة المكبوتة.

وهكذا فإن الرغبة في الشرق تنتج انشطارا وانزلاقا لدى الذات المتكلمة وخطابها، وتستنهض فيها ممارسة كامنة مضادة للمركزة، الأمر الذي يجعل الاستشراق المتأخر عند هؤلاء الرحالة يتأرجح بين السعي النهم نحو تجربة مغايرة في الشرق والاكتشاف البائس لاستحالة تحققها.

إن هؤلاء الرحالة كما يجدهم بهداد متحولون من حيث الخطاب ومنشطرون أيديولوجيا، لذلك فإن تمثيلات هؤلاء الرحالة لا تنغلق على مدلول غرائبي، بل تمارس إرجاء مفتوحــا على الدلالة ما يجعلها خطابات مملوءة بالفجوات وغيــر متيقنة من تمثيلاتها، وبائسة لكونها عاجــزة عن إنتــاج نمط جيل مــن الكتابــة عن الآخر المرغوب فيــه.

في مرحلة تالية يسعى الباحث للوصول إلى الفضـاء الوظيفي لهـذه القــوة المراوغـة وإلى الكشف عن خصوصياتها التاريخية وصيغهـا الخطابية ومضـامينها النقدية للرغبـة في الآخر داخل السيـاق السياسي لعلاقات المواجهـة الكـولـونياليـة غيـر المتجانسـة.
إن التحول من كتاب الرحلة إلى الدليل السياحي في أواسط القرن التاسع عشر يكشف عن الزلات الخطابية حيث أعد الخطاب السياحي لكي يوائم حاجات الرحالة الهواة في سعيهم لقضاء عطل فارهة في الشرق.

لكن تلك الرغبة السياحية في الشرق بقدر ما كانت مندغمة ومتوسطة عبر العلاقات المعقدة وغير المتجانسة للسلطة الكونيالية فإن ظهور هذا الخطاب الجديد يعد إعادة تشكيل استراتيجي للهيمنة الأوربية. ويخلص في قراءته لهذا الخطاب الاستشراقي إلى أن الاستشراق ليـس مقسمــا بــين خطابات هيمنة مقبولة وخطابات معــارضة مقصاة بل يؤمن نسقا دائريا من التبادل بين إستراتيجيات قارة وعناصر منشقة ممــا ينتج آثارا متعــددة.

لذلك يرى أن المرء لا يستطيــع تفسيــر هذه السمة التحويلية والتغييريــة للخطــاب الاستشراقـي والتــي لا تكفل هيمنته الثقـافيــة إلا في إطار الممارسات القطعيــة التي تؤسس لضرورة التغيرات الطفيفة في الوظيفة العامــة لممـارستهـا بحيـث توائــم شروط التغيـر في علاقـات السلطـة بـين أوروبـا والشـرق.

أخبار اخرى