المخابز تسرق دقيق الحكومة منذ ٨٠ سنة ومافيش فايدة

السبت 18 مارس 2017   11:16:01 ص - عدد القراء 20902




المخابز تسرق دقيق الحكومة منذ ٨٠ سنة ومافيش فايدة




من يقرأ هذه الوقائع يتأكد أن أزمة الخبر المعاصرة في مصر ، لم تتغير أبدا منذ ٨٠ سنة . الحكومة تسعي الي رغيف خبز جيد للمواطنين ، وبسعر معقول ، لكن الهدف لم يتحقق علي الأطلاق .. السبب واضح منذ ثمانون سنة أيضا . تواطئ الموظفين مع أصحاب المخابز . ونجاح أصحاب المخابز في شحن المواطنين ، لإبتزاز الحكومة ، ووقف أي أجراء تصحيحي ضدهم ..



 كما يلاحظ أن مصر منذ ثمانون عاما لم تحقق الإكتفاء الذاتي من القمح ، وظلت تستورده من الخارج حتي يومنا هذا . لنقرأ هذا النص قبل أن نقرأ كل التفاصيل : رغم كل هذه الإجراءات الوقائية يمكن القول‏'‏ بالفم المليان‏'‏ أن الحكومة قد فشلت في كبح جماح زيادة أسعار الخبز‏,‏ الأمر الذي دعا محافظة القاهرة أن تتخذ إجراءات جديدة كان أهمها الإعلان عن استعدادها لتأجير بعض المخابز علي أن تقوم بالإشراف علي إدارتها‏,‏ مما يمكن وصفه بالخطوة الأولي نحو‏'‏ مخابز قطاع عام‏',‏ ونشرت إعلانا بذلك في أوئل أكتوبر عام‏ ١٩٣٨‏ وتقدم عدد من أصحاب المخابز بطلباتهم في هذا الشأن‏,‏ وقد برر هؤلاء لجوءهم إلي هذا السبيل بما يتكبدونه من خسائر من جراء رفع أصحاب المطاحن لسعر جوال الدقيق من‏١٢٠ إلي‏١٥٠‏ قرشا مما اضطرهم إلي رفع سعر الأقة بما يتراوح بين مليم إلي مليمين ‏.‏ التفاصيل الكاملة نهديها للدكتور علي مصيلحي وكذلك رئيس الوزراء شريف إسماعيل .



تحت عنوان‏'‏ غلاء القمح وأسعار الخبز‏'‏ نشرت الصحف في ٣٠ يناير ١٩٣٧رسالة موجهة إلي وزير التجارة من قارئ اسمه‏'‏ عبد المجيد الرمالي‏'‏ باسم أصحاب المخابز تحدث فيها عن الظاهرة التي استجدت علي سوق الغلال فأدت إلي ارتفاع هذا المحصول‏,‏ الأمر الناتج عن انتشار إشاعة مفادها أن القمح المخزون لا يكفي الاستهلاك حتي الموسم الجديد‏'‏ فامتنع تجار الغلال عن عرض القمح في الأسواق فارتفع السعر حتي بلغ‏١٦٥ قرشا لأردب القمح الهندي و‏١٥٥ لأردب القمح البلدي‏'.‏



وخلص صاحبنا من ذلك إلي القول أنه كان من الطبيعي والحال هذا أن يرفع أصحاب المخابز ثمن الخبز ، وإلا تعرضوا لخسارة محققة إذا باعوه بنفس السعر السابق‏,‏ الأمر الذي دعاه حرصا علي عدم إنزال الضرر بالمستهلكين الفقراء ، أن يناشد الحكومة لحصر كميات الغلال المخزونة بشون البنوك وغيرها‏'‏ حصرا دقيقا لنتمكن من معرفة هذه الكميات علي وجه التحقيق حتي إذا ما اتضح أنها كافية لاستهلاك البلاد إلي نهاية الموسم بادرت الوزارة بإعلان ذلك للجمهور‏,‏ فتتبدد عندئذ فكرة عدم كفاية المحصول وتضع حدا لهذا الارتفاع المصطنع‏'.‏ كانت هذه الرسالة أول إشارة لأزمة جديدة من أزمات الخبز التي صنعها التجار‏,‏ وهي الأزمة التي بدأت ملامحها في البروز مع الأيام‏,‏ ففي يوم‏51‏ فبراير كتبت جريدتنا عن زيادة شكاوي الجمهور من ارتفاع ثمن الخبز الذي زاد ثمن الأقة من الرغيف البلدي مليمين‏,‏ والشامي أربعة مليمات‏,‏ بالتمام والكمال‏,‏ وكان مبلغا كبيرا في بلد يتعامل الناس فيه بالعشرين خردة‏(‏ نصف مليم‏)!‏ ردا علي ذلك أرسل أحد أصحاب المخابز‏,‏ علي عبد المعطي‏ الي الصحيفة مايفيد ‏أن سبب هذا الارتفاع يرجع الي زيادة أسعار القمح والدقيق الذي ارتفع سعرالإردب منه إلي‏١٦٠‏ قرشا بدلا من١٢٠,‏ وطالب وزارة التجارة أن تبين الأسباب الحقيقية لارتفاع الأسعار‏..‏ نقص في المحصول أم تلاعب كبار التجار‏,‏ وكان مطلوبا من جهات الإدارة أن تقدم الإجابة‏,‏ الأمر الذي دعا محافظ العاصمة‏,‏ عبد السلام الشاذلي باشا‏,‏ إلي اتخاذ قرارين‏;‏ جعل ثمن أقة الخبز الخاص من الدرجة الأولي‏81‏ مليما‏,‏ علي أن يكون وزنها‏23‏ أوقية‏,‏ ودعا محافظ الإسكندرية‏,‏ محمد حسين باشا‏,‏ إلي تشكيل لجنة من‏61‏ عضوا يمثلون أصحاب القمح والمطاحن وتجار التجزئة والمخابز بنسبة أربعة عن كل فئة‏'‏ لدراسة الحالة وإبداء الرأي‏'.‏ مع ظهور نذر الأزمة علي هذا النحو بعثت الأهرام بأحد محرريها ليستطلع آراء الخبراء الاقتصاديين‏,‏ وقد وصل إلي النتائج التالية‏;‏ الأولي‏:‏ أن أسعار الخبز حددت يوم كان ثمن إردب القمح‏٢٠٠ قرش أو‏١٨٠‏ قرشا علي الأقل‏,‏ وقد هبطت تلك الأسعار حتي وصلت إلي‏١٢٠‏ قرشا‏,‏ ومع ذلك ظلت أسعار الخبز كما هي‏,‏ وقد رأي بعض هؤلاء أن سبب ارتفاع السعر أن بعض أصحاب المخابز يخلطون إنتاجهم بدقيق الأرز‏,‏ وهو الذي ارتفع ثمنه مؤخرا‏.‏



الثانية‏:‏ ادعي بعض أصحاب المخابز أن أسعار القمح ارتفعت بسبب تصدير كميات منه إلي الخارج‏,‏ وهو ما نفاه مصدر مسئول أكد أن محصول القمح في القطر المصري بلغ‏٨ ملايين و‏٣٠٠ ألف إردب‏,‏ بينما لا يزيد الاستهلاك المحلي عن‏٧‏ مليون و٥٠٠‏ ألف مما يؤدي إلي فائض قدره‏ ٥٠٠‏ ألف إردب‏.‏ مع اتضاح الصورة علي هذا النحو تدخل وزير المالية إسماعيل صدقي باشا ليدلي بتصريح تغلب عليه اللهجة التهديدية‏,‏ جاء فيه أن الأسباب التي يعتمد عليها التجار لزيادة ثمن الخبز لا أساس لها من الصحة‏,‏ ومن ثم فإن الوزارة سوف تتخذ من الوسائل ما يعيد الأمور إلي نصابها‏.‏ وقبل أن يمضي وقت طويل أسفر الرجل عن خطته وكانت بالحصول علي موافقة مجلس الوزراء باستيراد كمية من القمح الاسترالي‏,‏ الأمر الذي دعا أصحاب المطاحن إلي الهرولة للصحف يناشدون الوزير أن يتأني قليلا قبل الشروع في اتخاذ الإجراء المزمع‏,‏ وقد تذرع هؤلاء بما سوف يسببه لهم استيراد القمح الاسترالي وعرضه بسعر‏١٢٥‏ قرشا للإردب من خسارة‏,‏ لأنهم اشتروا القمح المخزون بسعر أعلي من ذلك‏ ١٣٠‏ قرشا للإردب يضاف إليها نحو عشرة قروش نفقات الخزن والنقل‏.‏ بناء علي ذلك قرر وزير المالية مراقبة الحالة في الأيام القليلة التالية حتي إذا ظهر ما يدل علي استمرار ارتفاع الأسعار أو عدم نزولها إلي الحد المعقول‏,‏ فسوف ينفذ قرار استيراد القمح من الخارج‏,‏ ومضت الوزارة في ضغوطها فصدرت التعليمات إلي فرق مراقبة الأغذية بمضاعفة الاهتمام بأخذ عينات من الدقيق والخبز‏,‏ من المطاحن والمخابز والباعة‏,‏ والإسراع بتقديم الجنح الخاصة بغش الدقيق إلي المحاكم‏.‏



في الإسكندرية‏,‏ وفي ذات الوقت تقريبا‏,‏ اجتمعت الغرفة التجارية وصرح أمين صندوقها أن غلاء القمح والخبز لا يستند إلي أساس من الواقع‏,‏ وطالبت بأن تنصح الحكومة المصارف بإجبار التجار علي تسليم الصفقات التي اشتروها من المنتجين‏,‏ وأبقوها فيها لمدة قصيرة معينة بدلا من أن تمد لهم المدة لتستفيد من فوائد مدها‏,‏ كما طالبت أن تتخذ الإجراءات التمهيدية لشراء المقادير الضرورية من القمح الأجنبي‏'‏ حتي إذا تمادي المناورون وصعدت الأسعار توزعه علي المطاحن بالثمن الذي يلائم مصلحة المستهلكين‏'.‏ في بورسعيد‏:‏ شرع رجال البوليس في تنفيذ التسعيرة‏,‏ وقد حرر رجال البوليس‏٦٦‏ محضرا للمخالفين في يوم واحد‏.‏



و في بني سويف‏:‏ عقد نائب مدير المديرية اجتماعا مع التجار لبحث المسألة‏.‏ وفي جرجا‏:‏ بيعت الكيلة من القمح بسعر يتراوح بين‏٢٠ ‏ و‏٢٢ قرشا‏'‏ فشكا الجمهور من هذا الغلاء المفتعل‏'!‏ ومن الأقوال إلي الأفعال فقد اتفقت وزارة المالية مع الخواجة إميل عيد صاحب شركة المطاحن علي إيقاف تصدير القمح وأن تقوم شركته بطحنه وبيعه لأصحاب المخابز بسعر‏١٢٠ قرشا للجوال علي أن يوزع علي أصحاب المخابز لبيع أقة الخبز وزن‏٢٣‏ أوقية بسعر‏١٥ مليما‏.‏ ثم اتفقت المحافظة مع‏٣١‏ مخبزا علي بيع الأقة وزن‏٢٣‏ أوقية بهذا الثمن‏,‏ وإن كانت قد ميزت بين الخبز الطازج والخبز الجاف‏(‏ الملدن‏)‏ . وقد توزعت هذه المخابز في سائر أحياء العاصمة‏;‏ السيوفية‏,‏ الحلمية‏,‏ الموسكي‏,‏ السيدة زينب‏,‏ باب الشعرية‏,‏ الأزبكية‏,‏ وأخيرا الجمالية‏.‏



دفع ذلك بعض أصحاب المخابز إلي التقدم للمحافظة بطلبات للانضمام للمخابز التي تقرر توزيع الدقيق عليها‏,‏ وبعد تمنع وافق المسئولون علي ضم أربعة عشر مخبزا آخر ليصبح المجموع‏٧٢’‏ تراقبها المحافظة مراقبة دقيقة لتمنع أي تلاعب أو غش فيها‏',‏ وقد حذت محافظة الإسكندرية حذو محافظة القاهرة في إتباع هذه السياسة‏.‏



رغم كل هذه الإجراءات لم يكن قد مضي أسبوع حين فوجئ المستهلكون بأن ثمن الخبز قد زادت نصف مليم وأصبح ثمن الأقة‏١٥ مليما ونصف في المخابز التي اتفقت معها المحافظة‏,‏ التي سارعت بتبرير الزيادة بأنها ناجمة عن شرائها كمية كبيرة من قمح كوم أمبو‏,‏ وهو أغلي من القمح العادي بسبب جودته‏!‏ وبينما تزيد محافظة القاهرة من عدد المخابز التي اتفقت معها حتي بلغت‏١٦‏ مخبزا جديدا‏,‏ كانت تتزايد شكاوي بعض أصحابها من تصرفات موظفي المحافظة‏..‏ شكوي من المحسوبية‏,‏ ومن أنه من بين تسعة مخابز في منطقة واحدة تتعامل مع المحافظة ينتمي خمسة منهم إلي عائلة واحدة هي عائلة‏'‏ ترك‏',‏ شكوي أخري من صاحب مخبز في الجمالية بأن المحافظة بعد أن اتفقت معه علي أن تسلمه الدقيق ليبيع بسعر مخفض امتنعت عن تسليمه إياه‏,‏ شكوي ثالثة من قارئ بالقاهرة يشكو فيه من رداءة الخبز ويعزوه إلي كثرة الأصناف التي يضيفها الخبازون إلي الدقيق‏,‏ وشكاوي أخري عديدة‏.‏



***‏ علي الرغم من إنكار المسئولين لما جاء في هذه الشكاوي فقد شهد الشهر التالي‏,‏ إبريل عام‏١٩٣٨‏ مجموعة من التنازلات الحكومية أخذت الإدارة في تقديمها تنازلا وراء آخر‏..‏ التنازل الأول‏:‏ نشرت الأهرام خبرا عنه في عددها الصادر يوم‏ ٤ أبريل من ذلك الشهر وجاء فيه أن المسئولين في المحافظة قد وافقوا علي أن يخلط أصحاب المخابز القمح البلدي بمقدار‏٥٢‏ في المئة من دقيق الذرة‏'‏ لأن هذا المقدار لا يؤثر في المادة الغذائية الموجودة في القمح‏',‏ وكان الشرط الوحيد الذي صحب هذا التنازل ألا تزيد نسبة دقيق الذرة عما تقرر‏!!‏ التنازل الثاني‏:‏ الموافقة علي تحديد ثمن شوال دقيق المخلوط بدقيق الذرة بالنسبة المتفق عليها زنة ثمانين أقة‏١٤٠‏ قرشا‏,‏ أي بزيادة عشرين قرشا عما كان قد سبق واتفق عليه بالنسبة لثمن دقيق القمح الخالص‏!!‏ التنازل الثالث‏:‏ أن يكون ثمن أقة الدقيق من الخبز المخلوط ستة عشر مليما ونصف‏,‏ أي بزيادة مليما كاملا عن السعر الذي كان قد سبق ووصلت إليه ثمن الأقة من الدقيق المصنوع من القمح الخالص‏.‏



هذا ما حدث في القاهرة‏,‏ أما ما جري في الإسكندرية فلم يكن مختلفا كثيرا‏,‏ فالتدبير الذي كانت قد اتخذته المحافظة لتحديد سعر أقة الخبز بخمسة عشر مليما‏,‏ ما لبث أن فقد فاعليته علي ضوء ما قام به أصحاب المخابز من تصغير حجم الرغيف‏,‏ ومن خلط الدقيق بمواد أخري‏'‏ تحط من قيمته الغذائية ولا يجوز خلطها به‏',‏ وقد استشهدت الأهرام في ذلك بعينة من هذا الخبز التي أرسلها إليها قارئ من الثغر‏!!‏ وفي تلك الظروف رأي وزير المالية ألا يترك الأمر للمحافظين أكثر من ذلك‏,‏ فأعلن في بيان له في مجلس النواب يوم‏١٢‏ إبريل أن الحكومة سوف تبدأ في توزيع كميات من الدقيق البلدي الجيد والدقيق الاسترالي علي مخابز الإسكندرية خاصة الكائنة في أحيائها الفقيرة‏,‏ وأن مقادير الدقيق التي دبرت‏'‏ تكفي لاستقرار الأسعار بنسبة مخفضة إلي أن يعرض محصول القمح الجديد في الأسواق‏'.‏



في نفس الوقت أصدرت محافظة القاهرة بلاغا بأنه قد وصلتها كميات من القمح الجديد‏,‏ وأنها مستعدة لتسليم أصحاب المخابز شوال الدقيق وزن‏٨٠ ‏ أقة بسعر‏١٤٠‏ قرشا‏,‏ ووجهت الراغبين في الشراء إلي محال محددة للشراء بالثمن المذكور‏,‏ إميل عيد بميدان الخازندار‏,‏ وثابت بسطا بالسبتية‏.‏ وبنفس النغمة التفاؤلية صرح محافظ القاهرة لمندوب الأهرام بأن كميات من محصول القمح الدقيق وصلت إلي بعض تجار ساحل روض الفرج‏,‏ وأن الحكومة حجزت مقادير من الدقيق الاسترالي‏'‏ كانت تنقلها بعض البواخر إلي ممالك أخري‏,‏ وبذلك بدأت أزمة الدقيق والخبز في الانفراج‏'!!‏



نفس النغمة ترددت في الإسكندرية حين أعلنت المحافظة أن وزارة المالية اتفقت مع أحد المطاحن في القاهرة علي إعداد كمية من قمح كوم أمبو وكمية من القمح الاسترالي للمدينة‏'‏ وقد قيل أن دقيق قمح كوم أمبو سيورد مخلوطا بالذرة بنسبة‏٥٢٪ لكي يمزج بالدقيق الاسترالي فتصبح كمية الذرة فيه بنسبة‏٥١٪.‏ بعد يومين وتحت عنوان‏'‏ انفراج أزمة الخبز في الإسكندرية‏'‏ نشرت الأهرام نقلا عن مراسلها الخاص في الثغر بأن أزمة الخبز قد انفرجت‏'‏ إذ بدئ بتوزيع الدقيق الجديد علي مخابز المدينة‏.‏



وقد وزع منه نحو مائتي كيس‏,‏ وأصدرت المحافظة تعليماتها التي تقضي بمراقبة بيع الخبز‏',‏ ولم يكن ما جاء في بقية الخبر سعيدا فقد تحدد سعر الأقة بـ‏١٧‏ مليما‏,‏ وكان يراد جعل هذا السعر‏١٥‏ مليما ولكن ارتفاع ثمن الدقيق المستورد فوق ما كان مقدرا له دعا إلي زيادته مليمين‏,‏ وزادت المسألة تعقيدا عندما توادت الأنباء أن الخبازين يبيعون الخبز البلدي للجمهور باثنين وعشرين مليما للأقة‏!‏ وفي تلك الظروف جاء أيضا من الإسكندرية مزيد من الأخبار السيئة فقد اجتمع عمال المخابز البلدية بدار الاتحاد العام لنقابات العمال لبحث حالتهم‏,‏ وقرروا أن يتوجهوا إلي المحافظة لبحث مطالبهم التي قدموها‏,‏ بزيادة الأجور وبتخفيض ساعات العمل وبراحة شهرية مدفوعة الأجر‏'‏ رحمة بهم وبعائلاتهم البائسة‏'!!‏ ولم تلبث الاحتجاجات أن تحولت إلي عمل فاعل عندما أضرب عمال المخابز في القاهرة يوم‏٩‏ مايو عام ‏١٩٣٨‏ وهاجموا بعض المخابز لتحريض زملائهم علي المشاركة في الإضراب‏..‏



في مخبز محمد سعيد بباب الشعرية‏,‏ ومخبز محمد السيد عياد بالسيوفية ومخبز يوسف جاد الله من درب الحصر‏,‏ وبعد انتشار الإضرابات علي هذا النحو عقدت هيئة مكتب الاتحاد العام للعمال اجتماعا وقررت مطالبة الحكومة بسرعة العمل علي إنصاف طائفة الخبازين‏'‏ وقد حضر إلي دار الاتحاد بعض أصحاب المخابز الوطنية‏,‏ وعقدوا اتفاقات مع هؤلاء العمال من شأنها تحقيق مطالبهم‏'.‏ وبينما كانت تشهد كل من القاهرة والإسكندرية هذه الأحداث المثيرة فإن مدنا أخري عرفت أحداثا مماثلة‏ .



وفي بورسعيد حاول محافظ القنال مواجهة الأزمة بأن طلب احتجاز‏٦٠‏ طنا من الدقيق الاسترالي الذي كان قد وصل إلي الميناء‏,‏ علي اعتبار أن‏'‏ المياه لا تفوت علي عطشان‏',‏ واستجابت له وزارة المالية‏,‏ وقد خلطها بعشرين طنا من دقيق الذرة ووزعها علي المخابز بسعر‏١٤٠ قرشا للشوال المحتوي علي‏٨٠ أقة‏,‏ بشرط بيع الأقة للجمهور مقابل‏١٨‏ مليما‏.‏



في السوق العمومي بشبين القناطر كانت فرحة الأهالي كبيرة عندما هبط سعر كيلة الذرة إلي عشرة قروش وسعر كيلة القمح إلي‏١٦قرشا‏'‏ فتنفسوا الصعداء بزوال أزمة هذا الغلاء المزعج‏',‏ وفي السويس تسلمت المحافظة‏٤٠٠ كيس من الدقيق زنة الواحد منها‏٨٠ أقة‏,‏ ووزعتها علي الخبازين والأهالي بسعر قدره مائة وأربعين قرشا للكيس‏!‏



رغم كل هذه الإجراءات الوقائية يمكن القول‏'‏ بالفم المليان‏'‏ أن الحكومة قد فشلت في كبح جماح زيادة أسعار الخبز‏,‏ الأمر الذي دعا محافظة القاهرة أن تتخذ إجراءات جديدة كان أهمها الإعلان عن استعدادها لتأجير بعض المخابز علي أن تقوم بالإشراف علي إدارتها‏,‏ مما يمكن وصفه بالخطوة الأولي نحو‏'‏ مخابز قطاع عام‏',‏ ونشرت إعلانا بذلك في أوئل أكتوبر عام‏ ١٩٣٨‏ وتقدم عدد من أصحاب المخابز بطلباتهم في هذا الشأن‏,‏ وقد برر هؤلاء لجوءهم إلي هذا السبيل بما يتكبدونه من خسائر من جراء رفع أصحاب المطاحن لسعر جوال الدقيق من‏١٢٠ إلي‏١٥٠‏ قرشا مما اضطرهم إلي رفع سعر الأقة بما يتراوح بين مليم إلي مليمين‏.‏



وقد تصورت محافظة القاهرة أنها بإقدامها علي هذه الخطوة سوف تنجح في وقف ارتفاع سعر الخبز‏,‏ الأمر الذي نتبينه من بلاغ لها أصدرته يوم‏ ٤ أكتوبر‏,‏ وجاء فيه إعلان لأصحاب المخابز بأنه إذا لم يعد سعر الأقة إلي١٥‏ مليما فستضطر إلي فتح مخابز الحكومة‏'‏ وتموين الجمهور بالخبز وحمايته من هذا الغلاء المصطنع وبيعه بسعر أقل من‏51‏ مليما‏!‏ غير أن الجهود الحكومية في هذا الشأن ذهبت أدراج الرياح‏,‏ الأمر الذي نتبينه من أنه لم يكن قد مضي علي بلاغ المحافظة سوي أيام قليلة حين رفعت السلطات الراية البيضاء عندما وافقت علي بيع لأقة الخبز المصنوع من دقيق القمح المخلوط بدقيق الأرز بـ١٥ مليما وللمنازل الكبيرة بـ‏ ١٨ مليما‏,‏ مما كان بمثابة الاعتراف بالسعر الأخير‏,‏ ولم تكن أول مرة ينتصر فيها‏'‏ أصحاب المصالح‏'‏ علي السلطات ولا آخرها‏!‏






تعليقات