منذ ٩٠ سنة : منيرة ثابت تفتح النار علي منيرة كمال حول عضوية البرلمان

السبت 18 مارس 2017   11:32:51 ص - عدد القراء 10550




منذ ٩٠ سنة : منيرة ثابت تفتح النار علي منيرة كمال حول عضوية البرلمان




عمر هذه المعركة تسعون عاما بالتمام والكمال .. معركة حق المرأة في التمثيل في دار الإنابة . ودار الإنابة هو البرلمان . والإسم الحديث لهذه المعركة : حق المرأة في التصويت والإنتخاب .



صدر دستور ١٩٢٣ ، وتجاهل تماما الحقوق السياسية للمرأة . وأهمها حق التصويت . وحق الترشيخ والإنتخاب .. وظلت المرأة تغلي بسبب هذا التجاهل ، خاصة وإنها شاركت بجهد بارز في أحداث ووقائع ثورة ١٩١٩ . ونظمت أول مظاهرة نسائية في ١٢ مارس ١٩١٩ . وسقطت أول شهيدة للثورة في ١٦ مارس . وصدر الدستور : وكأن المرأة المصرية كانت مجرد هووااا ..



المعركة بدأتها رسالة من الإسكندرية وقعت باسم الآنسة منيرة ث‏,‏ وهى نفسها منيرة ثابت التى اكتسبت شهرة كبيرة بعدئذ كإحدى رائدات العمل الصحفى من المصريات‏,‏ فقد أصدرت عام ‏1926‏ مجلة الأمل التى وضعت برنامجا سياسيا واقتصاديا واجتماعيا‏,‏ وكانت من أولى المجلات النسائية التى تنحاز لمبادئ الوفد‏.‏



تحت عنوان النساء والبرلمان المصرى وفى عدد الأهرام الصادر يوم ‏10‏ يونيو كتبت الآنسة منيرة مقالا طويلا تكشف فيه عن نيتها بأنه ستعقبه مقالات أخرى,‏ وقد استهلته ببداية ساخنة عندما طالبت كل محافظ غضوب على كل حركة تقوم بها المرأة فى طريق تطورها الانسحاب من أمامنا‏,‏ فما كنا نرجو من السادة الرجعيين تشجيعا ولا تعضيدا لمطالبنا‏!‏



وتزداد السخونة بعدئذ عندما تتحدث عن الاستياء العام الذى قابل به الرأى العام تأليف لجنة الدستور‏,‏ خاصة ولم نجد بين أعضائها نساء يشتركن مع الرجال فى سن الدستور فى الوقت الذى رأيناها فيه قد ضمت بين أعضائها منصور يوسف باشا وصالح لملوم باشا وأمثالهما ممن لا يجهل الخاص والعام مبلغ كفاءتهم ودرجة علمهم‏!‏. وكان معلوما أن الآنسة الاسكندرانية تسخر من أمية هذين العضوين‏,‏ وهو الأمر الذى لم تحتمله الأهرام‏,‏ حتى أنها اضطرت أن تنوه فى آخر المقال أنها كانت تود من الكاتبة أن تتفادى مثل هذا القول لأن الرجلين كبيران وهما موضع احترامنا‏!‏.



وبعد أن عددت صاحبتنا مثالب مشروع الدستور الذى وضعته اللجنة نزلت تأنيبا فى الكتاب الذين لم يراعوا فى نقدهم له غير ما لحق‏ (الرجل المصرى‏)‏ من حيف وما لحق بحقوقه من قيود غاضين النظر عن افتئات اللجنة على حقوق المرأة المصرية‏..‏ أليس كان خليقا بجميع الكتاب أن يتناولوا بحث هذه النقطة والاعتراض على اللجنة لإهمالها؟ وتصل من ذلك إلى وجوب أن نتقدم نحن أولا للمطالبة بحقوقنا هذه‏..‏



تلك الحقوق التى سوف أدافع عنها للنهاية‏!‏. وخلصت منيرة ثابت فى نهاية مقالها الطويل إلى وضع برنامج للمرأة المصرية لمواجهة الموقف من مادتين‏:‏ الأولي‏:‏ الاحتجاج بشدة عند الرأى العام على الوزارة ولجنة الدستور لافتئاتهما على حقوق المرأة المصرية وأطالبهما بشدة‏,‏ وفى كل لحظة بتخويلنا الحق فى عضوية مجلس النواب والشيوخ بلا تمييز بين المرأة والرجل‏.‏ ولتعلما‏-‏ الوزارة واللجنة‏-‏ أننا مهما صادفنا من العقبات فلن ننثنى أبدا عن المطالبة بحقنا هذا الطبيعى.‏ الثاني‏:‏ توجيه نداء إلى جميع النساء والسيدات المصريات لمشاركتى فى المطالبة بحقوقنا فى عضوية البرلمان وفى الاحتجاج على من يحاولون هضمنا هذه الحقوق‏!‏. الغريب أن أول من تصدى لصاحبة مقال النساء والبرلمان المصرى كانت آنسة مصرية أيضا‏,‏ واسمها منيرة كذلك‏,‏ وإن اختلفت عن الأولى فى أن اسمها كاملا كان منيرة كمال‏,‏ كما اختلفت عنها فى أنها عارضتها على طول الخط‏!‏. وصفت منيرة الثانية مبدأ التمثيل النسائى بأنه فاسد‏..‏



السبب‏:‏ أن البلد فى شدة الاحتياج للرجال وهى فى حالة التكون وإذا كان الحذر فى انتخاب اللائق من هؤلاء لتمثيل الأمة واجب فكم يكون الحذر أشد إذا خولت النساء حق الانتخاب والجلوس على مقاعد الرجال حتى ولو كانوا غير متعلمين‏.‏ ألا ترى السيدة أن الطبيعة لم تسو بين الجنسين إذا صرفنا النظر عن الاستثناءات الفردية‏..‏ ولأنى من الجنس الآخر لا أشك فى أن رأيى لا يجد سبيلا إلى سوء الظن والمطاعن التى تكال جزافا فى هذه الأيام‏.‏ ولا تنسى منيرة كمال أن تؤكد لمنيرة ثابت فى نهاية مقالها أنها ليست من الرجعيين المحافظين ممن أعلنت الثانية أنها لا تود مخاطبتهم‏,‏ ولكنها لا تريد التورط فى تقليد أمم مضى على رقيها المدنى قرون عديدة‏,‏ وليس فى طبائعهم ولا عوائدهم ولا دياناتهم من المحظورات ما فى بلدنا المسلم الشرقى والسلام‏!‏.



غير أن قارئا آخر وقع بحروف اسمه الأولي‏ (‏م‏.‏ف‏.),‏ كان أشد قسوة على صاحبة مقال النساء والبرلمان المصرى,‏ وردد بعض الآراء التى ظل خصوم المرأة يرددونها حتى اليوم‏,‏ فهى ما خلقت إلا لتكثير النوع الإنسانى فوظيفتها لا يستطيع أن يجاريها الرجل فيها وقد متعها الله تعالى لحسن أداء هذه الوظيفة بكل ما تحتاج إليه من الأعضاء وناسب بين تركيبها وتلك الوظيفة‏...‏



ويضيف القارئ المجهول أن العلم أثبت أن عقلية المرأة أقل من عقلية الرجل‏,‏ ولا يرى بأسا فى هذه المناسبة من أن يستعين ببعض النصوص الدينية لتأييد دعواه‏,‏ فيثبت نص الآية الكريمة بأن‏ (الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض‏),‏ ويخلص من كل ذلك إلى القول أن الله فضل الرجال على النساء بكمال العقل وحسن التدبير ومزيد القوة‏.‏ مرة أخرى تحت نفس العنوان‏,‏ وفى عدد الأهرام الصادر يوم السبت ‏24‏ يونيو سنة ‏1922,‏ كتبت مقالها الثانى لتعلن أنها غير مبالية بما تلاقيه مصممة على مواصلة الجهاد لنصرة مبدأ تحرير المرأة المصرية من كل القيود البالية والتقاليد العتيقة ومساواتها مع الرجل فى جميع الحقوق‏..‏ أجل صممت‏,‏ أنا المسلمة الشرقية‏,‏ على متابعة العمل للقضاء على تلك العادات وليدة الجهالة التى رزحت تحتها المرأة المصرية حينا من الدهر‏!‏.



خصصت بعد ذلك معظم مقالها للرد على سميتها‏,‏ منيرة كمال‏,‏ ووصفت آرائها وحججها بأنها واهية‏,‏ غير أنها كانت منصفة حين قدمت اعتذارها عن أمرين جاءا فى مقالها‏,‏ الأول‏:‏ أنها لم تقصد الطعن فى الباشوات يوسف ولملوم وأنما أرادت فقط القول للذين يتهمون المرأة بأنها ليست أهلا للجلوس فى دار الإنابة أنه وجد بيننا كثيرات ممن فى مستوى كفاءة من ذكرتهما وكثيرات أيضا يفقنهما‏,‏ ونعتقد أن صاحبتنا أخطأها التعبير فى ذلك‏,‏ حتى أنه ينطبق عليها المثل العامى المشهور جه يكحلها عماها‏!‏.



الاعتذار الثانى:‏ عن مطالبتها بتحديد سن المرأة التى تخول حق الانتخاب بثمانية عشر عاما فقط‏,‏ فقد اعترفت أنها قد تطرفت بعض التطرف فى هذا لذلك أرجع عن رأيى الأول وأوافق على تحديد السن بواحد وعشرين عاما كما هو شائع فى أغلب الدساتير‏.‏ على أى الأحوال فقد انثنت من ذلك لتفند النظرية الضارة التى اعتمدت عليها منيرة كمال بأن أحكام العادات الشرقية تأصلت من آلاف السنين ويستحيل زوالها بسهولة‏,‏ وأن تمكن مثل هذه النظرية من عقول الكثيرين يؤدى إلى الخراب والدمار‏,‏ وبعبارات نارية قدمت شرحا لما ذهبت إليه‏,‏ فقد تساءلت ما هى تلك العادات إن لم تكن الخمول والانكماش المتفشيين بين بعض المصريات؟ وحب السلامة والطمأنينة والخوف من الإقدام على الأعمال والتراجع أمام أية صغيرة قد تعكر صفو الراحة والهناء؟‏,‏ ثم انقلبت من ذلك لتضع يدها فى عش الدبابير عندما طعنت فى الحجاب باعتباره إحدى هذه العادات‏,‏ والذى رأت أنه بلى فى مصر وتلاشى أثره وأصبح لا يرى من اسمه الضخم غير رمز للتهتك والخلاعة‏!!‏



فأمسينا نؤثر عليه سفورا محتشما‏.‏ وكان أهم ما ذهبت إليه فى تفنيد النظرية الضارة ما ظل يروج له أصحابها من أن ما تطالب به معارض لأحكام الدين‏:‏ فما سمعنا قط أن الدين الإسلامي‏-‏ ولا المسيحي‏-‏ يحرم على المرأة مشاركة الرجل فى الأعمال على اختلاف أنواعها‏,‏ وليس فى أحكام ديننا المحمدى ما يمنع المرأة من الوقوف بجانب الرجل بعد أن رأينا سالفاتنا قد اقتحمن ميادين القتال بجانب الرجال بل وبزونهم فى كثير من الأعمال‏!‏.



وبنفس القوة رفضت الحجة التى ظل يرددها خصوم المرأة بأن الطبيعة لم تسو بين الجنسين واعتبرتها دعوى باطلة وغريبة وإلا فإنى أتساءل كيف سوت بين الجنسين فى أوربا فأصبحت المرأة شريكة للرجل‏-‏ شركة الند للند‏-‏ وأتت كثيرا من الأعمال الجليلة؟ بل ما هو الفارق بين المرأة الشرقية وأختها الغربية التى لم تمثل فقط فى البرلمانات بل دخلت المحاكم وأغلب دور الحكومة‏!‏؟‏.‏ وفي‏3‏ يوليو نشرت الأهرام لمنيرة ثابت مقالها الثالث ترد فيه هذه المرة على الكاتب الذى آثر التوقيع بحروف اسمه الأولى,‏ م‏.‏ف‏.,‏



ورأت أنه بنى اعتراضه على حجتين‏;‏ أولاهما‏:‏ مسألة تحديد سن العضوة بثمانى عشرة عاما‏,‏ والثانية‏:‏ أن المرأة غير أهل لذلك لانتقاص فى عقليتها ولأن تركيبها الخلقى لا يسمح بذلك‏.‏ وأن الحجة الأولى قد سقطت بعد أن تراجعت عن هذا الرأى,‏ غير أنها لم تقبل بالحجة الثانية‏,‏ وعادت هنا لتردد ما سبق لها قوله من أن المرأة المصرية لا تقل عن قرينتها الأوربية التى أتت من الأعمال ما عجز عن إتيانه بعض الرجال‏,‏ وتسخر منه عندما تذكره بقول الخديو اسماعيل المشهور بأن مصر جزء من أوربا‏,‏ وكيف أن المحافظين يريدون بعد مضى أكثر من نصف قرن على هذا القول أن نتغلغل فى مجاهل إفريقيا فنكون جزءا من خط الاستواء‏..‏



أليس من العجب العجاب أن نرى (بعضا‏)‏ من المصريين‏-‏ أولئك الذين يقتبسون قوانينهم ومدنيتهم من قوانين أوروبا ويتتبعون خطواتها على درجة الرقي‏-‏ لا‏ (يخجلون‏)‏ من الوقوف فى وجه المرأة حائلين بينها وبين مشاركتهم فى هذا الاقتباس والاقتداء‏!‏. ويبدو أن ثبات منيرة ثابت على موقفها قد دعا آخرين إلى اتخاذ صفها‏,‏ وإن حدث ذلك بقدر من التردد من البعض أو بشكل غير مباشر من البعض الآخر‏..‏



يندرج فى صف الأولين إسماعيل وهبى المحامى بمصر الذى اعترف بوجاهة كل الحجج التى أدلت بها الآنسة المدافعة عن حقوق المرأة‏,‏ وكان هذا الاعتراف فى حد ذاته نصرا لصاحبتنا‏,‏ غير أنه رأى مع ذلك أن كل ما تفعله صرخة فى واد‏,‏ والسبب‏:‏ أن الوقت لم يحن بعد لهذه الخطوة‏,‏ وأن مسألة انتخاب السيدات هى الشغل الشاغل فى الدساتير الأوربية‏,‏ وما زال الكثيرون يرفضون تمثيل السيدات فى البرلمان‏.‏ إن أوروبا التى بلغ فيها مكان المرأة كمكان الرجل من أجيال متعددة لم تفكر فى انتخاب السيدات إلا فى القرن الأخير‏..‏



أننى لا أقول بحرمان السيدة لمصرية من حق الانتخاب فى الزمن المستقبل غير أننى أؤكد للآنسة الفاضلة أن هذه المسألة سابقة لأوانها‏.‏ من الآخرين سلامة موسى المفكر المصرى المرموق الذى نصح بإتباع سياسة الخطوة خطوة فى هذا الشأن‏,‏ خاصة وقد أزعجه بعض الآراء التى أعرب عنها عدد من أعضاء اللجنة من الوجه القبلى بضرر تعليم البنات وأن الأفضل ترك المصريات ينشأن زوجات وأمهات جاهلات‏,‏ وأنه ينبغى أولا محاربة هذه الأفكار والتنبه إلى هؤلاء الذين لا يدركون للآن قيمة تربية المرأة‏.



‏ منهم أيضا أنطون زكرى أمين المتحف المصرى الذى استخدم معرفته بالتاريخ المصرى القديم للدفاع عن المرأة‏,‏ وكيف أنها كانت عند الشعوب القديمة مستعبدة ذليلة وكانت المرأة المصرية وحدها حرة محترمة متمتعة بكثير من الحقوق الاجتماعية حتى كانت تتزوج بمحض إرادتها وتتعلم العلوم التى تجعلها كفؤا للرجل‏.‏



ويبدو أن منيرة ثابت قد اقتنعت فى النهاية بوجوب الانتظار حين أغلقت المناقشة فى الموضوع بشكر وجهته للأهرام بأنها لا تزال منبر الوحى بكل ما هو مفيد وآخرها وجوب تمثيل النساء فى دار الإنابة‏,‏ وكان على مصر أن تنتظر نحو ثلث قرن لتدخل المرأة هذه الدار‏,‏ ولا ندرى ما إذا كانت صاحبة الحملة التى نعلم أنها كانت تناهز الخامسة والعشرين عندما شنتها‏,‏ قد عاشت لتشهد حلمها يتحقق أم لا‏.‏






تعليقات