الراقص مع الكلاب ومسخرة الإعلام ... بقلم / إيمان حكيم

السبت 18 مارس 2017   4:22:07 م - عدد القراء 376


الراقص مع الكلاب ومسخرة الإعلام ... بقلم / إيمان حكيم




صدرت الأوامر من رئيس تحرير الجريدة المشهور لفريق العمل بالجريدة وكان كل شىء معداً وجاهزاً وكل المطلوب قصة إنسانية تقطع نياط القلوب وتصلح لفيلم دراماتيكى يجذب ملايين المشاهدات ويساهم فى زيادة توزيع الجريدة المشهورة ويساهم فى رفع أسهم رجل البر والإحسان صاحب المؤسسة الإعلامية ومعظم القنوات الفضائية،



وبالفعل بدأت الصحفية المغمورة ومعها زميلها المصور فى البحث عن ضالتها بين أكوام الزبالة والحدائق الخربة حتى وجدته مع كلابه الضاله وكان لابد من إطلاق إسم براق ولامع عليه ينتشر إعلامياً بسرعة البرق ويحقق الشهرة المرجوة فكان إسم "الراقص مع الكلاب" على غرار إسم الفيلم العالمى الشهير "الرقص مع الذئاب" من نصيب الطفل المشرد عبدالرحمن والذى يبدو إن زعق له نبى فى هذه اللحظة التى إلتقى فيها بالصحفية والمصور



ولأن الإعلام صنعة تجلب الملايين إذا تم الترويج للمنتج جيداً، فقد إنطلق مسلسل"الراقص مع الكلاب" فى حلقته الأولى على صفحات جريدة "اليوم السابع" فى ظروف تضمن له النجاح



بدأ المسلسل بمجرد تقرير مصور فى البداية على صفحات الجريدة كجس نبض للقارىء الملهوف والمتشوق دائماً لسماع أى حدوتة أو مآساة يتسلى بها، ثم تأتى بعد ذلك الحلقة الثانية من المسلسل وهى  مرحلة الترويج على مواقع التواصل الإجتماعى لحصد أعلى المشاهدات وهنا تحول عبدالرحمن إبن الشارع ورفيق الكلاب الضالة بين لحظة و ضحاها إلى نجم نجوم وراقص مشهور حتى ولو لم يرقص فى حياته مع أى كلب يستحق من أجله اللقب البراق.



وبدأت الصحيفة وفريق العمل بها فى تظبيط النجم الصغير بطل المسلسل والذى تبدل مظهره ولبس ملابس نظيفة وغالية وتم إستقدام حلاق خصوصى له لزوم النجومية وبدأ فريق الإعداد من العمل بقدم وساق على راحة النجم الصغير وتوثيق كل مراحل "الرفاهية المؤقتة" بالصوت والصورة من أجل إنجاح المسلسل بدءاً من جلوسه أمام شاشة كمبيوتر عليها فيلم لتوم وجيرى لإستحضار روح براءته وطفولته المفقودة ونسوا أو تناسوا أنها إنتُهِكت أصلاً بمجرد إقامته فى الشوارع ولن تعيدها له أفلام توم وجيرى بل إنه محتاج لجلسات علاج وتأهيل نفسى ليندمج فى المجتمع الذى لفظه إلى الشارع مرة أخرى.



ثم بدأ اللعب اللى على ثقيل بظهور الراقص مع الكلاب على القنوات الفضائية فى برنامج رئيس التحرير "خالد صلاح" لعل وعسى يتلقى إتصالاً مرجواً من الرئاسة ويحظى بمداخلة من السيد الرئيس وتحدث الفرقعة المرجوة للبرنامج وصاحبه والمؤسسة بأكملها،



هذا غير ظهور الولد مع زوجة رئيس تحرير الجريدة والتى كان ولابد أن يطولها من الحب جانب وأن "يباصى" لها زوجها الزبون فى برنامجها "ست الحسن" وتأخذه هى ورفيقاتها "لَفة" ويعملوا به أحلى شغل من مصمصة شفايف وتصعبات ودعاء على زوجة الأب الشريرة أمنا الغولة،

هذا حتى تأتى اللحظة الحاسمة و اللقاء الموعود والمرتقب بين رجل الأعمال الشاب الوسيم "أحمد أبو هشيمة" صاحب الليلة دى كلها بالفتى المشرد "الراقص مع الكلاب" لكن طبعاً بعدما حموه وجلجلوه (بتعطيش الجيم) وبانت عليه النعمة ورشوه بالمبيدات المطهرة والبرفانات العطرة لأخذ تصاوير مع رجل البر والإحسان.



وبالفعل دارت الكاميرات وطبعت الماكينات وسجلت الصور والمانشيتات البراقة لحظات السعادة المزيفة التى يعيشها "الراقص مع الكلاب" فى كنف ولىّ النعم رجل الأعمال حتى جاءت الحلقة الأخيرة من المسلسل المزيف وهى الفيلم الكارثى الذى نزل على مواقع التواصل الإجتماعى ووصفوه باللقاء المؤثر بين عبدالرحمن وشقيقه والذى يقال أن فريق العمل تعب كثيراً فى الوصول إليه،



ففريق عمل اليوم السابع والذى وثق لحظات اللعب بتوم وجيرى ولحظات النظافة والحلاقة نسى أن يوثق (من أجل مصداقيته) أهم لحظات البحث عن شقيق الولد وكيفية إتصالهم بالرجل الذى كان قيل أن الولد يعيش معه ولا المكان الذى كان يعيش فيه الطفل كما رأينا فى فيلم منى السيد فى حلقة عمرو أديب والتى كانت موثقة لحظة بلحظة،



فقط فى فيلم لم الشمل مع شقيقه رأينا عربة سوداء فخيمة تركب بها الصحفية ومعها زميلها وبينهم طفل مرعوب لا ندرى من أين أتوا به (لم يوثقوا هذا) رغم أنه عملهم، يلقنوه فى السيارة أنه سيذهب لرؤية أخيه ومن باب الإثارة والتشويق وإطفاء الجدية على الحدث نجد الصحفية "ترقع بالصوت الحيانى.. ياخراشى" عندما تمتم الطفل بإسمها (طنط منة) وتتدعى تملقاً ونفاقاً على حسب قولها أنها أول مرة تسمع إسمها بهذا الجمال رغم أننا بالكاد سمعناه،



وكانت الطامة الكبرى والكارثة والتى سموها باللقاء المرتقب واللقاء المؤثر بين الشقيقين فالراقص مع الكلاب الذى يبدو أنه أتقن حياة النجوم ودخل علينا يرتدى كَاب رياضى ويضع يديه فى جيوبه ويظهر عليه الملل والقرف من كل شىء ظهر الضيق عليه واضحاً عند رؤية أخيه الصغير ولأن الكاميرا لا تكذب ولا تتجمل وأصدق أنباءاً من مليون إدعاء فقد نظر نجم النجوم إلى أخيه شذراً ونطق "إنت جيت منين" أو بمعنى أصح إنت طلعت لى منين وجاى تشاركنى السبوبة



حاولت الصحفية بكل الطرق إنقاذ ما يمكن إنقاذه أمام العدسات والإيحاء للطفل بإظهار أى عاطفة تجاه أخيه وأن يتقى ربنا ويعمل باللقمة اللى أكلوهاله وبتوم وجيرى اللى فرجوه عليه وكان ناقص تلطم وتصوت (الله يخرب بيتك هاتبوظ لنا الشغل)

وأخيراً من زهقه وضيقه بإلحاحهم مَن عليها "الراقص مع الكلاب" بحضن بارد مع أخيه أمام العدسات والذى عبرت عنه الصحفية بغيظ "أنا عايزة حضن حلو مش حضن كدة وكدة"

ليرد عليها النجم بشخط خلاص

وكان ناقص يقول لها "إخرسى شوية" أنا زهقت قرفتونى الله يلعنكم

وليبكى الطفل الصغير اللى مش عارف دوره إيه بالظبط فى التمثيلية دى، ربما من الخوف والخجل أو ربما من صدمته من شقيقه الذى خذله بقسوته الواضحة وتناكته بعد أن أصبح نجماً تتهافت عليه الفضائيات، وإنتهى الفيلم وإنطفأت الكاميرات ولا نعلم ماذا دار بعد الحضن اللى بكدة وكدة،



ورغم كل هذه المسخرة لازالت المانشيتات إلى اليوم تهلل باللقاء المؤثر والذى ظهر لنا غير مؤثراً بتاتاً بل كان كارثى ومحرج للصحفية ولكنه أظهر لنا أن هذا المسكين المدعو "الراقص مع الكلاب" يسخر منهم جميعاً من داخله ويعلم أن أحداً لن يستطيع أن يملى عليه إرادته وأن يجعله يظهر أى عواطف أو حنية إنعدمت من قلبه تجاه الجميع



فهو لن يذهب إلى أى دار رعاية من عينة "إشراقة وأخواتها" ليتم إغتصابه بها ولن يسمح لأحد أن يأكل عيش على قفاه وأن يجعله يفرح ويبتسم علشان الصورة فقط تطلع حلوة أمام الجميع،



هو فقط سينهى هذه الشغلانة التى فى يده ويخرج منها بسبوبة حلوة ويذهب إلى العراء مرة أخرى ليبحث عن كلابه أو أى كلاب أخرى فهم كثيرون، لا ليرقص معها كما إدعوا فهم الذين رقصوا به وعليه وكسبوا من ورائه،

بل لينام بجانبها فى أى مكان بحريته ويرسم فى أى وقت بحريته وعلى أى ورقة بالية ولكنه فقط سيحتفظ بإسم شهرته "الراقص مع الكلاب" الذى جلب له الحظ فى غفلة من الزمن

ويجلس بجوار أى حائط يطعم كلابه فى إنتظار أى مسلسل آخر

وراقصون أخرون



إيمان حكيم 



نقلا عن موقع الكاتبة إيمان حكيم








تعليقات