ليبيا : هل انتهت اتفاقية الصخيرات؟

الاتنين 20 مارس 2017   1:05:33 م - عدد القراء 105
ليبيا : هل انتهت اتفاقية الصخيرات؟



إن الهجوم الناجح الذي قامت به سرايا الدفاع عن بنغازي ضد الجيش الوطني الليبي في خليج السدرة – حيث تمكنت من السيطرة على موانئ النفط ومحطات رأس لانوف – يدفع المرء للتفكير في أثر هذه الهجوم على اتفاقية الصخيرات، فهي الاتفاقية التي نتج عنها الاتفاق السياسي الليبي والمجلس الرئاسي، وتم التفاوض بشأنها برعاية الأمم المتحدة من قبل عدد كبير من الأطراف الليبية، وبدعم من أغلب الدول المنخرطة في الشأن الليبي.



واجهت الاتفاقية، بعد توقيعها مباشرة، صعوبات منعت من تطبيقها بشكل كامل، خاصة من جانب الجنرال خليفة حفتر، وهو أحد جنرالات القذافي السابقين، والذي عاد إلى ليبيا في عام 2011. إلا أن الأحداث الأخيرة تشي بأن موقف حفتر قد ضعف، مما قد يدفع اللاعبين السياسيين المحليين والدوليين لإجباره على التفاوض.



وافق مجلس النواب الليبي جزئيا على الاتفاق السياسي والمجلس الرئاسي، عقب توقيع اتفاقية الصخيرات في أواخر عام 2015، إلا أنه رفض التصديق على المادة 8 من الاتفاقية، والتي تحيل مهام الرقابة على الجيش الوطني الليبي – وهو عبارة عن مجموعة من وحدات جيش القذافي السابقين والمتطوعين المحليين ومسلحي القبائل والجماعات السلفية تحت قيادة حفتر – إلى المجلس الرئاسي. بالإضافة إلى ذلك، فإن مجلس النواب لم يصدق على الحكومة التي اقترحها المجلس الرئاسي، وهي حكومة الوفاق الوطني، مما أدى إلى أن تتحول الأوامر الصادرة من قبل رئيس وزراء حكومة الوفاق الوطني، فايز السراج، إلى قرارات لاغية عمليا. بناء عليه، فإن موافقة مجلس النواب الجزئية على الاتفاق السياسي والمجلس الرئاسي وحكومة الوفاق الوطني قد نزع جوهر اتفاقية الصخيرات.



في الشهور الأخيرة، يبدو أن عهد المجلس الرئاسي وحكومة الوفاق الوطني قد انتهى، وأن انهيار الاتفاق السياسي أمر لا مفر منه، خاصة وأن حفتر، قائد الجيش الوطني الليبي، يسيطر على المناطق الشرقية في ليبيا، ويقدم نفسه كرجل قوي يمكنه فرض النظام والأمن في البلاد.



يبدو أن موقف اللاعبين الدوليين الرئيسيين يشير إلى هذه النتيجة أيضا، فالدعم الإماراتي والمصري لحفتر يبدو أنه غير مشروط، كما أن العلاقات الجديدة التي أقامها حفتر مع روسيا أدت إلى زيادة قوته الميدانية. كما قامت فرنسا بإحداث توازن بين دعمها لسراج ودعم عملي لحفتر على الأرض، بينما تنتشر الشائعات حول أن إدارة ترامب الجديدة تفكر في التخلي عن دعم المجلس الرئاسي لصالح حفتر، وبناء عليه، فإن صعود حفتر أمر لا مفر منه.



إلا أن ليبيا بلد المفاجآت، ففي بداية هذا الشهر، قامت سرايا الدفاع عن بنغازي، وهي ائتلاف من جماعات إسلامية تأسست في بنغازي، بشن هجوم مضاد، بدعم، يفترض أن يكون من ميليشيات مصراته، ضد الجيش الوطني الليبي، لاستعادة محطات النفط وموانئه الكائنة في خليج السدرة. تبذل سرايا الدفاع عن بنغازي جهداً لإضعاف حفتر، حيث تأمل في المضي قدما نحو الشرق إلى بنغازي، واستعادة المدينة من حفتر.



كان الجيش الوطني الليبي يسيطر على مرافق خليج السدرة، نيابة عن شركة النفط الوطنية الليبية، وكان يسمح بوصول عائدات النفط إلى البنك المركزي الليبي، والذي يقع مقره في طرابلس. كان حفتر في الواقع وبشكل عملي يتحكم في النفط القادم من خليج السدرة، بينما يسمح للعائدات أن تصل إلى المجلس الرئاسي في طرابلس. وبذلك، فإن حفتر يقدم نفسه بوصفه شخصية وطنية، تعمل من أجل الصالح الوطني للبلاد.



أثبت هجوم كتائب دفاع بنغازي نجاحه بشكل مفاجئ، حيث أجبر الجيش الوطني الليبي على التراجع لخط الدفاع على حدود محطات النفط في برقة، أصدرت قيادة سرايا الدفاع عن بنغازي بياناً تعلن فيه التنازل عن سيطرتها على المحطات لصالح حرس منشآت البترول، وهو كيان تابع للمجلس الرئاسي وحكومة الوفاق الوطني، تحت قيادة إدريس بو خمادة. على أرض الواقع، فإن سلطة المجلس الرئاسي وحكومة الوفاق الوطني على محطات النفط لم تتغير. كان هدف هجوم سرايا الدفاع عن بنغازي على موقع الجيش الوطني الليبي في خليج السدرة هو إضعاف حفتر أكثر منه السيطرة على موانئ النفط.



حتى هذه المرحلة فإن الوضع في حالة سيولة، فقد تكبد الجيش الوطني الليبي هزيمة، بالرغم من أنها ليست قاتلة، إلا أنها تظهر ضعفا في بنيته، وعدم كفاءة في قيادته. قام حفتر بتنظيم قواته في برقة، لشن هجوم مضاد واستعادة السيطرة على مواقعه التي خسرها. المشكلة هي أن قواته ستهاجم حراس منشآت النفط، وهي تحت قيادة المجلس الرئاسي، وليس سرايا الدفاع عن بنغازي، ومن ثم فإن هذا الهجوم سيعتبر هجوماً على الحكومة المعترف بها دولياً في ليبيا، الأمر الذي قد ينتج عنه ردة فعل عسكرية من قبل الداعمين الدوليين للمجلس الرئاسي وحكومة الوفاق الوطني. هناك عنصر إضافي، وهو السلوك الغامض لمصر، وهي أحد الداعمين الرئيسيين للجيش الوطني الليبي، إذ أن صمتها في بداية العملية ثم رد فعلها المتأخر جاء محير.



حفتر في موقف صعب تماماً، فإذا حاول استخدام القوة العسكرية لاستعادة الأراضي، فإنه سيخاطر بالتسبب في ردة فعل دولية ضده، لأن الداعمين الدوليين للمجلس الرئاسي وحكومة الوفاق الوطني سيضطرون لمساعدتهما، كما أن الوقوف مكتوف اليدين سيجعل منه يبدو ضعيفاً ومتنازلاً عن الأراضي لصالح سرايا الدفاع عن بنغازي.



في ذات الوقت، فإن مجلس النواب، وبالرغم من عدم اكتمال نصابه، إلا أنه قد صوت على إلغاء قراره الصادر في يناير/كانون الثاني 2016، والذي مرر الاتفاق السياسي الليبي، وتجميد أي مفاوضات مع المجلس الرئاسي وحكومة الوفاق الوطني، وهذا يزيد الأمر تعقيداً؛ تظل التساؤلات حول شرعية مجلس النواب قائمة، حيث يقول الكثيرون بأن البرلمان قد تجاوز فترة ولايته، والتي كان قد تم تمديدها فقط لتمرير الاتفاق السياسي الليبي. وقد انتهت مدة ولايته عقب رفضه للتصديق على حكومة الوفاق الوطني.



بالرغم من ذلك، فإن توازن القوى الجديد على الأرض يمكن أن يعطي بعض الأمل، حيث أن حفتر يرى بنفسه الآن قوته العسكرية وقد انحسرت، بينما زادت سلطات المجلس الرئاسي وحكومة الوفاق الوطني بشكل كافً، لمنح السراج المزيد من النفوذ، في محاولاته لتجديد المفاوضات، الهادفة لإيجاد حل للأزمة؛ ربما يكون في استطاعته استخدام هذا النفوذ للضغط على حفتر، للقدوم إلى طاولة المفاوضات؛ إلا أنه، وبدون الضغط من قبل الداعمين الدوليين، فإن حفتر سيرفض التفاوض من موقعه الحالي الضعيف، وسيفكر في تعويض خسائره.



باستعادة سرايا الدفاع عن بنغازي لموانئ النفط في رأس لانوف، والتنازل عن السيطرة عليها لصالح حراس منشآت النفط، فإنهم قد أعطوا قبلة الحياة للمجلس الرئاسي وحكومة الوفاق الوطني، وأجبروا اللاعبين السياسيين المختلفين في ليبيا على تعديل خططهم، إلا أن هذا يمكن أن يكون الخطوة الأولى للسقوط في حرب كاملة، مع محاولات قوات حفتر لاستعادة حقول النفط. كما أن ذلك يمكن أن يتسبب في سلسلة من ردود الفعل الدولية، حيث أن مختلف الوكلاء الدوليين يتدخلون نيابة عن موكليهم. بالرغم من ذلك، فإن هناك نافذة تطل على فرصة أفضل، ويرجع هذا إلى قدرة الفاعلين الدوليين المختلفين لممارسة الضغط على حلفائهم في ليبيا، للعودة للمفاوضات بدلاً من الانخراط في حرب مدمرة.



المصدر  : achariricenter





تعليقات