"هبة النيل" تحت حصار "الفقر المائي".. وآه يا دنيا!

الاربعاء 19 ابريل 2017   12:48:09 م - عدد القراء 215





يبدو أن مقولة هيرودوت “مصر هبة النيل” ستكون مصدرا لشجن المصريين في السنوات المقبلة، مع اقتراب مصر من خط “الفقر المائي”، واستمرار التراجع الخطير في نصيب المواطن من المياه سنويا إلى ما دون ٣٥٠ متر مكعب سنويًا بحلول عام ٢٠٥٠، بحسب توقعات رسمية، وهو ما يقل عن نصف نصيب الفرد حاليا.



وحسب التقديرات الدولية، فإن الدولة التي تقع تحت خط الفقر المائي يكون نصيب الفرد من المياه المتجددة بها أقل من ١٠٠٠ متر مكعب سنويًّا، بينما لا يتجاوز نصيب المواطن المصري حاليا ٦٠٠ مترا.



مؤتمر "تحلية المياه الحادي عشر فى الدول العربية"، الذي استضافته مصر أمس، تحت شعار “توطين صناعة التحلية في الوطن العربي” كان بمثابة جرس إنذار جديد، إذ لا يبدو أن الأمور تسير بوتيرة تدعو إلى التفاؤل في هذا الملف، فحصة مصر من مياه النيل تواجه تحديات خطيرة مع اكتمال بناء سد النهضة الإثيوبي، ولا يبدو أيضا أن المفاوضات الثلاثية الجارية بين أطراف الأزمة (مصر وأثيوبيا والسودان)، في طريقها إلى انفراجة وشيكة، في ظل إصرار أديس أبابا على استكمال مشروعها، الذي لا يقتصر فقط على سد النهضة، بل يتضمن سلسلة من السدود الأخرى على النيل الأزرق، وهو ما قد يفاقم من تداعيات المشكلة على مصر في السنوات المقبلة، فضلا عن تلك الضغوط التي تمارسها دول حوض النيل مجتمعة على مصر للإنضمام إلى الاتفاقية الإطارية، التي لا تنص على الالتزام بحصة مصر التاريخية من مياه النيل.



بفرض نجاح المفاوضات الجارية سواء مع أثيوبيا أو مع دول حوض النيل في استمرار حصة مصر المائية البالغة ٥٥ مليار متر مكعب من المياه سنويا، فإن هذا لا يعني حلا نهائيا للمشكلة أو خروج مصر من منطقة الخطر المائي، فالتزايد السكاني الكبير يمثل ضغطا هائلا على الموارد المائية للبلاد، وهو ما يعني تواصل النزيف المضطرد في حصة الفرد من المياه سنويا، فضلا عن إطلاق مشروعات التوسع الزراعي والعمراني لتلبية احتياجات تلك الزيادة السكانية.



الحكومة من خلال العديد من وزرائها لم تحاول تجميل الموقف، فوزير البيئة خالد فهمي، اعترف أن مخطط المدن الجديدة يحتاج إلى كميات مياه تقدر بـ١٫٧ مليون متر مكعب، في حين أن القائم حالياً ١٥٠ ألف مترا فقط، وخلال اجتماع سابق لمجلس الوزراء، عرض وزير الموارد المائية والري، الدكتور محمد عبد العاطي تقريرًا، حول الموقف المائي ورؤية مصر الاستراتيجية لمواجهة احتياجات البلاد من المياه، حيث أكد أن الرؤية الاستراتيجية تهدف إلى تدبير حوالي١٠ مليارات متر مكعب من المياه حتى عام ٢٠٣٠، من خلال ترشيد الإستهلاك وإعادة تدوير ومعالجة المياه، وإضافة كميات إلى الموارد المائية من خلال التحلية.



ما لم يذكره الوزير في تقريره، أن الصراع على المياه ربما يؤدي - في المستقبل - إلى نشوب حرب محتملة بين دول المنطقة، وفقًا لتقرير صادر عن وكالة المخابرات المركزية الأمريكية، تضمن ترشيحات لمناطق صدام عسكري مسلح مرتقب بين دولها، بسبب شح المياه، وجاءت الدول المشتركة في حوض نهر النيل مصر والسودان وإثيوبيا وكينيا وزائير وبوروندي وتنزانيا وراوندا، في مقدمة المناطق المرشحة للصراع بحسب التقرير.



ووفقا لدراسات متخصصة فإن مصر تعاني عجزا مائيا يقدر بنحو٣٠ مليار متر مكعب سنويا، ومن المتوقع أن يصل هذا العجز إلى حوالي ٧٠ مليار متر مكعب مع بدء تشغيل سد النهضة وفق التصور الفني الحالي، وهو ما يعني أن مواجهة أزمة شح المياه لا تحتاج فقط إلى حلول فنية، ولكن إلى حلول سياسية أيضا.



في ظل تلك المعطيات لا ينبغي انتظار أن تأتي القنوات السياسية بمعجزة، فلا حلول سحرية في هذه الأزمة، بل ينبغي أن تكون لدينا استراتيجية حقيقة للتعامل مع الموقف، لا تكتفي فقط بالتحذير، وإنما تتضمن حلولا واقعية قابلة للتطبيق، وأول ما ينبغي البدء به هو ترشيد استخدامنا للمياه عبر التوعية والرقابة، والبحث عن مصادر بديلة، ووضع حلول عملية وعلمية للحيلولة دون تسرب فاقد من مياه النيل للبحر الأبيض المتوسط، كما يجب البدء بسرعة في بناء محطات لتنقية مياه الصرف الزراعي والصحي، لاستخدامها كمصادر بديلة لمياه النيل في الري.



وبموازاة ذلك يجب البحث عن موارد جديدة غير تقليدية للمياه، تأتي في مقدمتها تحلية المياه المالحة، خاصة مع التطور المستمر في تقنيات التحلية والتي أدت إلى تقليل تكلفتها بشكل كبير، والتوسع في الأبحاث الخاصة بالطاقة الشمسية، للاستفادة من هذه الطاقة المتوفرة في إدارة محطات التحلية، والاستفادة من وفرة هذه المياه التي تشكل ٩٤٪ من مياه الكرة الأرضية.



صحيح أن الحكومة أعلنت على لسان وزير الإسكان، الدكتور مصطفى مدبولى، أن تحلية مياه البحر أصبحت قضية أمن قومى، وأنه يجري العمل على توطين تكنولوجيا تحلية مياه البحر ورفع نسبة المياه المحلاة من ١٪ من مياه الشرب المنتجة إلى أضعاف تلك النسبة، فضلا عن أن جميع المدن الساحلية مثل العلمين والجلالة وشرق بورسعيد سيتم الاعتماد على تحلية مياه البحار، توفيرا لنفقات مد مواسير لهذه المدن ونقل المياه إليها، إلا أن واقع الأمر لا يشير إلى خطوات ملموسة في هذا المضمار، فدول كثيرة في المنطقة، مثل دول الخليج سبقتنا في تطوير وتطبيق تلك التقنيات، وهو سباق يرتكز في الأساس على البحث العلمي مرتفع التكلفة، ويمكن لمصر بما لديها من قدرات علمية وبشرية أن تستفيد من تمويلات خليجية متاحة في هذا الشأن لتحقيق مصلحة مشتركة تعود بالنفع على الطرفين.








تعليقات