محمد نجم يتساءل : هل تعود القرية لسابق عهدها

الاتنين 15 مايو 2017   9:58:28 م - عدد القراء 119


محمد نجم يتساءل : هل تعود القرية لسابق عهدها



محمد نجم



الأمين العام السابق للمجلس الأعلي للصحافة .

“أنا مكلف بالدخول فى حرب حقيقية من أجل تحويل القرية المصرية من مستهلكة إلى منتجة ومصدرة، فمن يدخل معى تلك الحرب؟”

هذا ما أعلنه د. هشام الشريف وزير التنمية المحلية فى لقاءين متتاليين بنقابة التجاريين وكلية الاقتصاد والعلوم السياسية، طالبًا من الحضور بألا يبخل من لديه فكرة أو جهد عن التقدم للمشاركة فيما يسمى “مجلس أمناء الوطن” والذى يسعى لتجميع أعضائه لبحث ودراسة كيفية النهوض بالمحافظات المصرية - وطبقًا لإمكانات كل منها - حيث آن الآوان للوصول إلى “مصر الجديدة” مصر اللامركزية إداريًا.. وماليًا.

موضحًا أن مهمة وزارته أن تسعد الناس فى المحافظات وتسهل لهم أمور حياتهم.. من خلال إقامة مجتمعات خضراء، ومدن رقمية وقرى بلا أمية.

فهل هذا ممكن؟!

أعتقد أن ما يحلم به الوزير ويسعى لتنفيذه ليس بعيد المنال أو يصعب على المصريين تحقيقه،بل هو ضرورة اقتصادية واجتماعية وسياسية فى المقام الأول، وأعتقد أيضًا أنه «ممكن»، وذلك للأسباب الآتية والتى لا يختلف عليها أحد.

أولها: طبيعة وقدرات المكلف بالمهمة والسيرة الذاتية للدكتور هشام الشريف تكشف وتؤكد طبيعته المبادرة وحماسة المتَّقد وجديته فى تنفيذ ما يحلم به وكلنا نعلم ماذا فعل فى مركز معلومات مجلس الوزراء وقد كان مؤسسه، فضلًا عن أنه فاعل أساسى فى النهضة التكنولوجية التى شهدتها مصر فى عهد رئيس الوزراء الأسبق د. أحمد نظيف.

وثانيها: أن اقتصادنا بطبيعته متنوع الأنشطة من زراعة إلى صناعة إلى تجارة إلى استخراج معادن وغاز وبترول.. ثم السياحة والخدمات الأخرى، كما لدينا تنوع «جغرافى» فى المحافظات المصرية فبعضها يصلح للتوسع الزراعى، وأخرى بها مناطق بكر للتعدين وأخرى سياحية بامتياز، ومنها أيضًا ما يصلح كمنصة وترانزيت للتجارة الخارجية.

والأهم من كل ما تقدم أن ما يحلم به الوزير هو ضرورة فى كل الأحوال، ولسبب بسيط جدًا وهو أن لكل مواطن الحق فى الحصول على ثمار التنمية التى تجرى على أرض الوطن وأيًا كانت طبيعة عمله أو أين يقع محل إقامته.

وبالطبع هذا الحق الدستورى لا يمكن الحصول عليه إلا بعد أن تحدث التنمية المرادة، وهو أيضًا ما تطلبه ما يسمى بالعدالة الاجتماعية، بمعنى أنه لا يجوز أن يحظى «القلب» بكل الاهتمام ويتم تناسى الأطراف، أى لا يجوز أن تحظى القاهرة الكبرى ومعها الإسكندرية بالاهتمام العام من الحكومة من حيث المشروعات أو تحسين المرافق ونوعية الحياة بصفة عامة، بينما البعيد عن العين بعيد عن القلب، أى يتم إهمال المحافظات البعيدة.. كما حدث من قبل، وأعتقد أن ما يحدث فى سيناء من إرهاب.. نتيجة لإهمالها لسنوات طويلة سابقة!



وفى كل الأحوال.. هل يجوز أن يستمر الفلاح المصرى يتغذى على ما توفره له المدينة؟ كما حدث مؤخرًا بينما كان هو من قبل الذى يوفر غذاء القاطنين فيها؟!

لقد كانت دهشتى شديدة عندما شاهدت فى قريتنا «منفذ» بيع للقوات المسلحة، يوفر الفراخ واللحوم وبعض الخضروات وسلعًا أخرى وتذكرت ونحن أطفال كيف كنا «نتكعبل» فى أسراب الطيور بمنزلنا القديم من فراخ وبط وأوز بخلاف الأرانب التى كانت وجبة مكررة مع الملوخية الخضراء.. حتى شكونا من ذلك!

كما تذكرت أيضًا كيف كانت «تتصادم» معنا قطعان العجول البتلو عندما كنا نحاول دخول «زريبة المواشى»، ناهيك عن الأفران البلدى والعيش الفلاحى والفطير المشلتت والرز المعمر وصوانى الحمام بالفريك وصيجان البسكوت والكعك فى الأعياد.. إلخ.

هكذا كانت بيوت الفلاحين فى قريتنا ولم يكن الأمر يختلف كثيرًا فى الحقول.. حيث توجد مساحات مزروعة بالملوخية والبامية والفلفل والباذنجان والطماطم والخيار والخص.. وخضروات أخرى كثيرة.

أى كان غذاء الفلاح فى متناول يده.. سواء من خضروات فى الحقول أو لحوم فى المنزل بل كان بعضهم يتناول وجبة السمك مما يصطاده من الترع والمصارف القريبة من القرية أو الحقل.



هذا هو مايرغب ويسعى وزير التنمية المحلية لتحقيقه، أن تعود القرية المصرية لسابق عهدها.. قرية منتجة تكفى احتياجات مواطنيها ويتم تصدير ما يزيد عن ذلك، ولكن الأهم أن يتم هذا فى إطار شامل من خلال رؤية عامة لإمكانات المحافظة سواء من أراض وسكان وما يمكن أن يقام بها من صناعات أو خدمات فى شكل مشروعات كبرى بمعايير اقتصادية، أى خلق فرص عمل وتوفير إنتاج كبير لسد الاحتياجات وتصدير ما يفيض عن الاستخدام.

وأعتقد أننا لا تنقصنا الدراسات أو الأبحاث.. والموضوع محل نقاش وجدل من عشرات السنين وكل مرة بعنوان أو مدخل مختلف.. ولكن يربطها عنوان شامل وهو «اللامركزية» أى منح المحافظات والمحافظين سلطات أوسع فى إدارة مناطقهم، مع منح المجالس المحلية المنتخبة سلطة حقيقية فى الرقابة والمساءلة.. وهو أمر طبيعى حيث المقولة الشهيرة «أهل مكة أدرى بشعابها» فلا أعتقد أن المخطط المقيم بالقاهرة يعلم الاحتياجات الضرورية وأولوياتها للمقيمين فى محافظات الوادى الجديد أو مطروح أو أسوان.. وإجمالًا المحافظات الحدودية.. وكذلك «الممول» الذى يقرر الاعتمادات المطلوبة للمشروعات الواجب تنفيذها سواء كانت إسكانًا أو طرقًا أو مرافق عامة من كهرباء ومياه شرب وصرف صحى ومدارس ومستشفيات..إلخ.

وبمعنى آخر إذا كنا سنبدأ فى تطبيق نظام «اللامركزية» الإدارية والاقتصادية فلابد أن يتزامن معها ما يسمى باللامركزية المالية، أى أن يكون للمحليات حق تجميع الموارد سواء بفرض ضرائب محلية أو الاقتراض من البنوك، هذا مع استمرار «الدعم» المركزى المالى لبعض الخدمات وخاصة الصحة والتعليم، أو بعض المرافق العامة مثل الطرق ومحطات الكهرباء.. حيث تمتد الاستفادة منها على مستوى الجمهورية.. ومن حسن الحظ أن مركز الدراسات والبحوث بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بقيادة د. أمنية حلمى قد وفر الدراسات المطلوبة مع المقارنة بما تم فى تجارب دولية أخرى، وجمع كل ذلك فى كتاب قيم أعدته المرحومة د. منال متولى مع الدكتور النشيط خالد زكريا أستاذ الإدارة بالكلية.

وهنا يجب التوقف عند مانبهتنا له د. لبنى عبد اللطيف فى مقدمة الكتاب حيث ترى أهمية مراعاة الاختلافات بين المحافظات المختلفة من حيث القدرات المالية والاستثمارية، حتى لا تحدث تنمية غير متوازنة بين الأقاليم المصرية المختلفة وما يمكن أن ينتج عن ذلك من تشوهات حضرية فى صورة عشوائيات أو هجرات داخلية بين المحافظات إلى جانب التهرب الضريبى.

وتؤكد على أهمية الرقابة المركزية على سطلة المحليات فى فرض الضرائب أو الاقتراض، فقد تدفع المنافسة بين المحافظات للتوسع فى هذين المصدرين إلى الحصول على الأموال المطلوبة!



على أية حال لدينا وزير متحمس ووفرة من الدراسات والبحوث ورغبة حقيقية من «نخب» المجتمع فى المساعدة ولا يبقى غير البدء فى التخطيط والجدية فى التنفيذ.

وقد نعود مرة أخرى لترديد أغانينا القديمة والتى تربينا عليها ومنها: ياصحراء المهندس.. جاى!

أو محلاها عيشة الفلاح.. عايش متهنى ومرتاح!

 لاشىء بعيد عن الله.. ثم المصرى معروف بجبروته!

حفظ الله مصر وألهم أهلها الرشد والصواب









تعليقات