مأساة أول نقيب للصحفيين المصريين : بلا جنسية أو وطن أو قبر

الثلاثاء 16 مايو 2017   10:33:00 م - عدد القراء 12672


مأساة أول نقيب للصحفيين المصريين : بلا جنسية أو وطن أو قبر



نحن نتحدث عن محمود أبو الفتح مؤسس صحيفة المصري ، أعلي الصحف توزيعا ومصداقية وتأثيرا قبل ١٩٥٢ ..



وهو في ذات الوقت أول نقيب للصحفيين ، عند تأسيس النقابة عام ١٩٤١ . بل هو أول نقيب للصحفيين العرب ..



Image result for ‫محمود أبو الفتح مؤسس صحيفة المصري‬‎



هذا الرجل عاش مشردا في لحظات من حياته رغم ثراءه الكبير . وسحبت منه الجنسية مرتين ، وعندما توفي في المانيا ، لم يجدوا له قبرا ، فدفن في تونس بتعليمات مباشرة من الرئيس الحبيب بورقيبه ..



ترصدته يد القدر إعتبارا من ١٢ أغسطس ١٩٥٢ ، ضربة بعد ضربة ، لتشكل في مجملها زلزالا إطاح بثروة الرجل وصحته ..





في هذا التاريخ نشرت المصري نص مشروع تحديد الملكية الزراعية تحت عنوان ” نص مشروع قانون تحديد الملكية الزراعية الذي قدمه مجلس الثورة للوزارة لإصداره ) وكان ذلك العنوان هو القشة التي قصمت ظهر البعير ! في اليوم التالي كان الرئيس محمد نجيب ورئيس وزراءه علي ماهر يحتفلان بوضع حجر الأساس لمبنى الإذاعة الجديد . كان علي ماهر في حالة عصبية وانفعال شديد ليخبر محمد نجيب عن أن جريدة المصري قد نشرت خبراً ( مكذوباً ) حول مشروع قانون الملكية الزراعية في محاولة منها لدس الفتنة بين الوزارة ومجلس قيادة الثورة.



لم يكن “محمد نجيب” على علم بما نشرته جريدة المصري فأعلن في كلمته إن هذا الخبر عار من الصحة , وكاذب جملة وتفصيلاً , وأنه من خيال هذه الجريدة , وطلب تكذيباً رسمياً للخبر .



Image result for ‫محمود أبو الفتح مؤسس نقابة الصحفيين‬‎



وقرر محمد نجيب أن تنشر جريدة الزمان تكذيباً على لسانه , بأن مجلس قيادة الثورة لا علاقة له بما نشرته جريدة المصري ، وأنه لا مشروع إطلاقاً لمسألة تحديد الملكية الزراعية . وفي مساء اليوم تم سحب نسخ الطبعة الأولي لجريدة الزمان ، ومصادرة كل ما طبع منها ، وإعادة طبعها من جديد بمانشيت رئيسي مختلف يحمل عنوان : ما نشرته جريدة المصري هو نص المشروع الذي قدمه مجلس قيادة الثورة للحكومة لإصدارة.



وهنا تأكد محمود أبو الفتح ، أن لا مكان له في مصر ، حتي إشعار آخر . وإن ماحدث للزمان سوف يحدث لصحيفة الوفد ، وبناء عليه قرر السفر إلى سويسرا عن طريق لبنان .



وفي بيروت علم أن صديقه الصحفي زهير عسيران ، سافر الي القاهرة للمشاركة في إجتماع للصحفيين العرب ، إحتفالا بالثروة المصرية . وإنه ألقى كلمته عن الحرية ، وحق الشعوب في ان تحكم نفسها بنفسها ، واشتعلت القاعة بالتصفيق . وبعد أن أنهى كلمته نهض الرئيس محمد نجيب في نهاية المؤتمر فشكر الوفود الصحافية ، ثم تحدّث عن الحرية، “وأن لمصر تاريخ طويل معها ومع الاستعمار، وأن “محمد نجيب” قال ذلك بنبرة قوية وشجاعة، دفعت “زهير عسيران” للتساؤل في إما ان الرئيس محمد نجيب اراد ان يزايد على كلمته ليفهم الحاضرين ان الحرية بخير .



اتصل محمود أبو الفتح من بيروت بأخيه حسين أبو الفتح ” تحت عنوان “حكم الشعب”، وهنا يقول “أحمد أبو الفتح” . وكان ذلك تحد مباشر ضد جمال عبد الناصر ومجلس قيادة الثورة . واستمرت “المصري” في موقفها المطالب بأن يعود الحكم الى الشعب بعد نجاح الثورة، وحين علم محمود ابو الفتح بأن هناك نية لإسكات صوت جريدة “المصري” قرر أن ينتقل بها لبيروت لكن الوقت كان قد فات وتم مصادرتها ومصادرة مطابعها.



من خلال صداقة “محمود أبو الفتح” بكل الصحافيين العرب ونقبائهم قرر أن يشن حملة صحفية من بيروت ويبدأها من خلال جريدة “الهدف” لصاحبها “زهير عسيران” .. كانت حملة قاسية ( من وجهة نظر محمود أبو الفتح ) . وقرر جمال عبد الناصر أمام هذه الحملة تجريد محمود أبو الفتح من جنسيته المصرية والحكم عليه في محكمة الثورة بعشرة سنوات سجن وتجريده أيضاً من جميع ممتلكاته وتحويل منزله بشارع أحمد حشمت بالزمالك إلى مدرسة ابتدائية وكذلك أخاه حسين أبو الفتح.



سافر “أحمد أبو الفتح” لملاقاة أخيه محمود في بيروت ، ولكن محمود كان قد غادرها إلى سويسرا فور سماعه بنبأ تجريده من الجنسية المصرية حتى يدخلها قبل أن تمنعه السلطات السويسرية من دخولها بعد اسقاط جنسيته ، حينها أرسل له أحمد أبو الفتح برقية من بيروت تفيد بضرورة أن يلتقيه في ايطاليا .



ولما كان محمود أبو الفتح قد انتزعت منه الجنسية المصرية ومضطر لملاقاة أخيه في ايطاليا ولا يستطيع مغادرة سويسرا والعودة إليها بل ولا يستطيع دخول ايطاليا أيضاً ، فقد استطاع بواسطة اصدقاء منهم “زهير عسيران” الحصول على جواز مرور سويسري من السلطات السويسرية تتيح له السفر والعودة بموجبه، وعند الحدود الايطالية – السويسرية دقق ضباط الجوازات مع حامل جواز المرور وهنا بكى محمود أبو الفتح ولسان حاله يقول: هكذا أصبحت مشرداً في الارض لا هوية لي كأني لم أكن يوما عربيا ولم أخدم قضايا وطني؟”.



في فندق “أكسلسيور” في العاصمة روما بإيطاليا كان “محمود أبو الفتح” في شبه انهيار مما يحدث، وبينما هو في انتظار أحمد أبو الفتح أخيه اتصل “زهير عسيران” الذي كان يرافقه في رحلته من سويسرا ، بالدكتور “فاضل الجمالي” وزير الخارجية العراقي ، وتحدث معه عن “محمود أبو الفتح” فتأثر جداً وطلب مقابلتهما.



في صباح اليوم التالي ذهب “زهير عسيران” بصحبة “محمود أبو الفتح” للسفارة العراقية في روما فوجدا الدكتور “فاضل الجمالي” قد أعطى أوامره بإعطاء “محمود أبو الفتح” جواز مرور للسفر الى بغداد فوراً. وصدق مجلس الوزراء العراقي علي منحه الجنسية العراقية .



وظل “محمود أبو الفتح” عراقيا حتى الثورة التي قام بها “عبد الكريم قاسم” وحينها قرر مجلس الوزراء العراقي في أول جلسة له بسحب الجنسية العراقية من “محمود أبو الفتح”.



تشاور “محمود أبو الفتح” مع صديقة القديم “زهير عسيران” في التليفون فدعاه أن يحضر الى بيروت فوراً وكان سفير العراق فيها صديقا لزهير عسيران ، حيث أطلعه على ما حدث لمحمود أبو الفتح ، وهنا قرروا الحل الذي تلخص في العودة الى الجريدة الرسمية العراقية “الوقائع العراقية” والتي تحمل مرسوم اعطاء الجنسية العراقية الى “محمود ابو الفتح” حيث يقدموه للسلطات السويسرية لتبقى الجنسية العراقية سارية المفعول لمحمود في سويسرا وهو ماحدث بالفعل.



حزن محمود أبو الفتح مما حدث له ويحدث حزنا شديداً فساءت صحته وتدهورت بشكل سريع فانتقل الى المانيا وتوفي في مستشفى “بادن”، ولم يتمكن اهله من دفنه في مسقط رأسه مصر، بحسب وصيته، لمعارضة السلطات المصرية استقبال جثمانه فدفن في تونس بأمر من الرئيس الحبيب بورقيبة.







تعليقات