معتصم راشد يكتب - الولادة المتعسرة لقانون الإستثمار

الخميس 18 مايو 2017   12:08:57 م - عدد القراء 285

معتصم راشد يكتب - الولادة المتعسرة لقانون الإستثمار




أخيرا ، وبعد ماراثون طويل ، ووفق على ( قانون الإستثمار ) ، وكنت أحد الذين شاركوا  في مناقشاته قبل إحالته للبرلمان ، وحرصت أن أشارك فى المناقشات  داخل البرلمان ، وكنت متابعا لما يجرى لحظة بلحظة .



 هنــا أجدنى مطـــالب أن أتــــوجه بالشكــــر للبرلمان واللجنة الاقتصادية تحديدا ، ورئيس اتحاد الصناعات رئيس إئتلاف دعم مصر ، ورئيس لجنة الصناعة بالبرلمان ، والذين انحازوا للتعديلات التي أدخلت على مشروع القانون الذى احالته الحكومة ، والإنحياز هنا كان للمصلحة العليا للبلاد .



 قبل أن أبدأ  ( قصة قانون  الإستثمار ) أؤكد اننى لم أكن أنوى التطرق الى هذا الموضوع ، مرة أخرى ، بعد أن تعددت كتاباتى والبرامج التليفزيونية عدة مرات في الآونة الأخيرة ،منتقدا  وبوضوح تام وصراحة مطلقة –كعادتى– التعديل الذى صدر في مارس 2015 ، عشية إنعقاد فعاليات ( مؤتمر شرم الشيخ ) ، ثم متحفظا على مشروع القانون الذى تقدمت به الحكومة .



ما يدعونى اليوم للتعليق على مشـــروع القانون الجديد الذى أقره مجلس النواب بعد التعديــلات  التي أدخلتها اللجنة الاقتصادية ، ليس فقط بعض ما تضمنــه لـ ( خطورته ) ، وإنما – أيضا – ما كشفت عنه حالة الفوضى التي أحاطت بمناقشته تحت قبة البرلمان ، وهى إن دلت على شيء ، فهى تدل على تخبط في صناعة وإعداد القرار الإقتصادى !!



 أبــدأ لأقـــرر هنا أن كثرة الإحالات للائحة التنفيذية للقانون ،تضعف من القانون ، وتعد من العيوب التشريعية ،  تجاوزنا عن ذلك  فانه لا يمكن أن نتجاوز عن ان القانون قد أحدث تغييرا في ( طبيعة ) هيئة الإستثمار بجعلها هيئة رقابية وتابعة لوزارة الإستثمار ، بعد ان كانت من قبل هيئة مستقلة ومعنية بالترويج وتيسيـــر المعاملات الإستثماريــــة ، وهذا يعنى بإختصار إضعاف لـ ( هيئة الإستثمار ) ، في حين انها هي الأصل في التعامل مع المستثمر ، ووزارة الإستثمار وزارة مستقرة .



ولا أكون متجاوزا إن قررت هنا – وبحسب المنشور في الإعلام – انه قد يكون أضاف مزيدا من التعقيد والغموض في المعاملة الضريبية لمختلف المجالات الاقتصاديـــة والمناطق الجغرافية ، وبصفة خاصة ( مستقبل )  المناطق الحرة الخاصة ، وفى شروط التصريح بالعمالة الأجنبية .



يلزم أن أشير هنا لتدخلات أتت من مختلف الجهات ، وكان التخبط واضح للعامة قبل الخاصة ، حتى في أعلى دوائر صنع القرار الإقتصادى ، والذى بلغ ذروته – وفقا لما نشر – مع إعتراض عدد من الوزارات ( المالية – التجارة والصناعة – الإسكان – الاتصالات ) على النص النهائي المقدم للبرلمان بزعم أنه لم يعرض عليها ولم يحظ بموافقتها !!



 هنا أقول أن هذا يدعو للقلق الشديد بسبب ما يعبر عنه من غياب رؤية واحدة تقود الملف الإقتصادى ، وتعمل على التنسيق بين وزاراته ، وتضمن التكامل والتناغم بينها ، ولو كانت هذه صراعات وخلافات داخلية يتم حسمها فلا اطار مجلس الوزراء أو المجموعة الوزارية المختصة لكان الأمر طبيعيا ، إما أن تطفو على السطح وتدفع بالوزراء للهرولة الى مجلس النواب لإضافة تعديلات وإضافات في اللحظات الأخيرة ، فهذا هو ما يثير القلق فيما يخص السياسة الاقتصادية للبلد بشكلسء عام ، بل ولا أكون مبالغ إن قررت أن ما حدث من بعض الوزراء أمر ومشهد يؤسف له !!



هذا يدفعنى أن أتـــوجه للسيد الرئيس بصفتـــه رئيســا للمجلس الأعلى للإستثمار، وترتيبا على ما حدث من فوضى ، فرصة لإعادة النظر في آليات صنع القرار الإقتصادى في مصر ودافعا لتبنى الدولة وأجهزتها ووزاراتها سياسة واحدة متسقـــة سواء في الإستثمار أو في غيره من المواضيـــع التي تحظى بأولوية الاهتمام .



الحديث عن القانون ، لازال موصول ، ومن المؤكـــد أن الوزارات التي كانت قد إعترضت ستكـون سببا مباشرا في تفريغ القانــون من بعض ما آتى به رغما عنها ، وأقصد تحديدا وزارتي ( المالية ) و ( التجارة والصناعة ) !!



 هنا يلزم أن أشير لما أشار إليه النائب الدكتور محمد فؤاد ، عندما قال : ( انه يجب على المالية ألا تنشغل بمحاولة التضييق على نظام الإستثمار في المناطق الحرة الخاصة ، وهو إستثمار من أجل التشغيل ، بينما تترك أكثر من 1.5 ترليون جنيه ،وهى القيمة التقديرية للإقتصاد غير الرسمي ، دون أن تحاول جديا إخضاعه للضرائب ، وذلك الى جانب متوسط عجز سنوي بين المستهدف والفعلي يعادل  ما لا يقل عن 15 من حجم الحصيلة الضريبية ).



ولعلها فرصة أن أضيف من جانبي ماذا فعلت وزارة المالية مع نظامى( السماح المؤقت ) و ( الدروباك ) ؟ وأيهما الأجدر  بالتضييق مشروعات المناطق الحرة الخاصــة التي تخضع لـ ( رقابـة ) الدولـة ، وبالأخـص وزارة المـاليــة ممثلـة في ( مصلحة الجمــارك ) ، أم ما يحــدث من ممــارسات من خــلال نظامى ( السماح المؤقت ) و ( الدروباك ) كما أشرت من قبل ؟!



 ما ينطبق على ( المالية ) ينطبق على ( التجارة والصناعة ) ، وأكاد أجزم بشخصية من وضع الفقرة (2) في صياغة المادة (37 ) والتي تنص على ( ويكون حظر استيراد بعض مستلزمات الإنتاج من داخل البلاد للمشروعات الإنتاجية العاملة في المناطق الحرة ، وفقا للقواعد التي يصدر بها قرار من الوزير المختص بشئون التجارة ) .



 هــذه الفقرة تعنى بمنتهى الوضــوح والصراحة ( إلغاء ) المناطق الحرة بنوعيها !! وبالمناسبة لمن صاغ هذه الفقرة، أن هذا المنطوق يتعارض مع ترخيص تأسيس المناطق الحرة والخاصة تحديدا ، وفقا للقواعد الموضوعة من مجلس إدارة الهيئة العامة للإستثمار ، ( قرار رقم 48 لسنة 2008) ، علاوة على أن هناك شبهه عدم دستورية !!



 أمثلة كثيرة يمكن أن تساق في هذا الصدد، أذكر منها المادة (9) والتي أعيدت للتصويت ليكـــون إختصاص وضـــع اللائحة التنفيذيـــة للقانـــون لرئيس مجلس الوزراء، بعد أن كان المجلس صوت على نفس المادة ليكون الإختصاص للوزير المختص !! وهذا في حد ذاته مخالفة للأصولالنيابية .



 من المؤكد ان رئيس مجلس الوزراء سيسعى جاهدا لإرضاء الوزراء الذين وقعـوا مجتمعين على مذكرة برفض ما جاء بالقانون !! وفى حالة إبقاء الإختصاصات لعدد من الوزراء، نكون قد فرغنا القانون من مضمونه !!



 أنا شخصيا أتوقع خلافات كثيرة عند التطبيق خلال الفترة القادمة لأن بعض المواد تمثل مطبات، والبعض الآخر يصعب قياسه !! ومن المؤكد ان الذين إختلفوا حول القانون سيستغلوا هذا !! وبالتالي فإننا سنكون أمام مأزق قانون جديد لم يحقق الآمال التي كان يتطلع إليها كل مستثمر !! خاصة وان حلم الشباك الواحدقد تبدد ولم يظهر في القانون، ومصير المناطق الحرةلازال في علم الغيب، مادام هناك من يتعمد نثر الشوك فوق الورد !!



 قبــل أن أختم ، شــاء من شاء وأبى من أبى ، المناطق الحرة المصرية حققت فائضــا في ميـــزان صـــادراتها ووارداتهــا الإجمالية خلال عام 15/2016 بلغ 5.3 مليار دولار ، بما يعد إضافة حقيقية تساهم بها المناطق الحرة في نمو الناتج  المحلى .



 وإذا انتقلنا للمناطق الحرة الخاصة التي ترفضها وزارة المالية نجد إنها حققت فائضا في ميزان صادراتها ووارداتها الإجمالية خلال عام 2016 تجاوز 2.1 مليار دولار .



 يعرف الذين يهاجمون المناطق الحرة كيف يتلاعبون بالأرقام وماذا يتجاهلون في حساباتهم ، وأقول لنائب وزير المالية إن إتاحة ما يزيد عن 81 ألف فرصة تشغيل يعتبر إنجاز حقيقى على أرض الواقع وهذه الفرص يضاف إليها فرص التشغيل الإضافية ..



 الـدول التي حققـــت طفـــرات تصديريـــة كانت من خلال المناطق الحرة الخاصة، ونحن هنا نضع الشوك في طريقها !!



هنا يلزم ان أشير عددا من التساؤلات قبل ان أختم :



هل سيعيد مجلس النواب عرض المشروع النهائي على مجلس الدولة قبل إصداره، استنادا للمادة 190 من الدستور، وكذلك المادة 175 -339 من اللائحة الداخلية لمجلس النواب بعد التعديلات التي أدخلت عليه والموافقة النهائية، وإذا لم يكنكذلك، فكيف تمت الموافقة النهائية رغم كل التعديلات، ولم يتم احالتها الى مجلس الدولة بعد تلك التعديلات التي طرأت عليه أثناء المناقشة وبما قد يؤثر على مشروعية القانون ذاته !!



 السؤال الآخر يتعلق باللائحة التنفيذية للقانون، خاصة وان ما لا يقل عن نحو 45% من مواد القانون قد احيلت للائحة التنفيذية، وهنا اذكر ان الشيطان غالبا وأبدا  يسكن في التفاصيل ،كما يقول الألمان ، بما يخشى معه ان تصدر مواد اللائحة بما يعطل او يزيد من الإجراءات والروتين أو يجعل من مواد وأحكام القانون في خبر كان ويصل بنا في النهاية الى إهدار فلسفته وحكمه إصداره أو يضع من العراقيل ما يعوق تنفيذه ويجعل التطبيق صعبا وربما مستحيلا !! او العكس قد تأتى اللائحـة مفصلــة وميسرة وهادية الى الطريق ..فأى الطريقتيـــن سوف تتبعه اللائحة،خاصة وان بعض فقرات مواد القانون تكاد تعصف بأحد الأنظمة الإستثمارية الواردة في القانون !!



هذا يعنى باختصار شديد أن اللائحة في حالتنا هذه تحمل طابعا تشريعيا،وهى بهذا الوصف يجب أن تعرض على مجلس الدولة للمراجعة، رغم ان الحكومة هي الأصل التي تصدرها عملا بنص المادة 170 من الدستور، ولا تلتزم الحكومة بعرضها على مجلس النواب، إلا أن الحكومة أعلنت انها سوف تعرض اللائحة على مجلس النواب !! الأمر الذى قد تتعرض معه -أيضا–الى ولادة متعثرة او جراحة معقدة، قد لا تمنحها الحياة بسهولة أو بسرعة، كما يقول الفقيه الدستورى الدكتور شوقى السيد !!



 ما أحوجنا لإدارة إقتصادية حقيقية تقود البلاد، بديل لأولئك الذين يختلفون حفاظا على مواقعهم.



 كلمة أخيرة ..



كان الله في عون الرئيس



  وللحديث بقية ،،،



معتصم راشد









تعليقات