الأسكندرية مدينة السفاحين وأشهرهم طلب من أم كلثوم تغني له أروح لمين

الخميس 18 مايو 2017   8:14:00 م - عدد القراء 23027


الأسكندرية مدينة السفاحين وأشهرهم طلب من أم كلثوم تغني له أروح لمين



لا أحد يتصور الجريمة في الأسكندرية ، دون أن يستدعي قصة ريا وسكنية … لكن تاريخ المدينة يرصد أيضا قصص أربعة سفاحين لهم « شنة ورنة » .. أحدهم يدعي محمود سليمان الذي طلب من أم كلثوم أن تغني له « أروح لمين » ..



حكايات السفاحين في الأسكندرية نرصدها فيما يلي .



أولا : ريا وسكينة 1921



Image result for ‫ولاد : ريا وسكينة 1921‬‎



ظهرت ريا وسكينة في حي اللبان عام 1921، وحكايتهما معروفة، ومشهورة أكثر من حكاية أي سفاح آخر ظهر في مصر، لدرجة أن الكاتب المعروف مصطفى لطفي المنفلوطي استشهد بهما في الرد على عدلي يكن، عندما أعلن أنه يعمل لصالح في مصر، في الأزمة المقامة وقتها من ينيب عن الشعب المصري في التفاوض مع الإنجليز في مسألة الجلاء، سعد زغلول أم عدلي يكن؟



قال المنفلوطي "إن ريا وسكينة ادعيا، أيضا، أنهما تعملان لصالح مصر (على أساس أنهما كانا يختاران للقتل؛ السيدات السيئات لينظفوا البلد منهن)."



وقد كنا نذهب ونحن صبية إلى بيتهما الذي كان مهجورا ومحاطا بجدار قصير يمكن أن نجلس فوقه، وكميات هائلة من التراب والطوب تغطيه، وكان الكثيرون يخافون من المرور أمامه.



ولو أخبرت أهلي بأنني عائد من بيت ريا وسكينة، في ذلك الوقت، لكان موقفهم منى موقفا صعبا، فكيف سيسمحون لي بأن أطأ أرض الحجرات بقدمي اللتين وطأتا بيت ريا وسكينة ؟!



لكن أزمة المساكن دفعت الناس إلى تغيير معتقداتهم، فقد تم رفع الجدار القصير، ورفعوا التراب والطوب، وأقيم بيت كبير مكان بيت ريا وسكينة، وسكنه الناس غير خائفين.



الغريب أن هذا البيت أصبح الآن مزارا سياحيا، فعربجي الحنطور الذي يأخذ السياح من أمام البحر، يطوف بهم حول قلعة قايتباي والأحياء المائية وزنقة الستات، ثم يذهب بهم أخيرا إلى بيت ريا وسكينة في حي اللبان، خاصة بعد الأعمال الدرامية التي حكت حكايتهما.



كتب كاتبنا نجيب محفوظ بالاشتراك مع مخرج الفيلم (صلاح أبو سيف) سيناريو الفيلم عام 1953 عن تحقيق صحفي لمحرر في الأهرام وكتب الحوار السيد بدير.



وكتب بهجت قمر مسرحية "ريا وسكينة"؛ فحققت شهرة واسعة خاصة أن الفنانة الكبيرة شادية مثلت فيها، لكن رؤية بهجت قمر في مسرحيته جنحت كثيرا نحو فيلم أميركي قديم بطولة كاري جرانت، وتحول هذا الفيلم إلى فيلم مصري لأحمد رمزي وعبد المنعم مدبولي ومحمد عوض وثلاثي أضواء المسرح.



في الفيلم "سيدتان" (آمال زايد، وثريا فخري) تقومان بقتل الرجال المسنين الذين يشتكون من آلامهم لأراحتهم، ويستخدمان ابن شقيقهما المجنون (محمد عوض) في حمل الجثث ودفنها في حجرة سفلية، فنقل بهجت قمر ما حدث في الفيلم الأميركي والفيلم المصري من أحداث كوميدية حول حمل الجثث إلى مسرحيته.



ثانيا : حسن قناوي 1947



كانت قضية حسن قناوي مشهورة في عام 1947، جعلت الناس في الإسكندرية ينامون بعد المغرب، والشرطة تبحث، والصحف تكتب عن هؤلاء الرجال الذين يختفون في ظروف غامضة، إلى أن تم إنقاذ آخر ضحية لحسن قناوي من الموت.



اتضحت الحقيقة، وتم القبض على قناوي بعد اكتشاف أربع جثث لأشخاص آخرين مدفونين في حدائق الشلالات.



لكن القاضي الخازندار لم يقتنع بالأدلة التي تدين قناوي في قتل الأربعة، وحاكمه في قضية الشروع في قتل من تم إنقاذه، فدخل قناوي السجن لمدة سبع سنوات قضاها في سجن الأجانب ثم سجن الحدراء، وخرج من السجن وعاش طويلا.



والمفاجأة أن القاضي الخازندار قُتل من قبل جماعة الأخوان المسلمين، فكيف يحكم على سفاح معروف بفظائعه بالسجن، بينما حكم على أعضاء من جماعة الأخوان بأحكام أكثر قسوة؟!



ادعى حسن قناوي أن كل جرائمه كان وراءها الأمير سليمان داود أحد أفراد أسرة الملك فاروق، فقد كان يستخدمه في التخلص من معارضيه، ومن الذين يسببون له قلقا أو مشاكل.



ثالثا : سعد إسكندر (سفاح كرموز) 1954



Image result for ‫سعد إسكندر (سفاح كرموز)‬‎



مازلت أسكن حي راغب باشا الذي كان يعيش فيه سعد إسكندر، وقد رأيت صورته في الجرائد والمجلات، شاب وسيم من محافظة أسيوط، كان على علاقة غير شرعية بامرأة تسكن حي الباب الجديد وكان يزورها في بيتها (هكذا شهد الجيران بعد القبض عليه) وانكشفت القضية.



استأجر سعد إسكندر شونة غلال على ترعة المحمودية، ومارس التجارة فيها لسنوات عديدة، لكن حالته الشديدة إلى المال، ربما لكي يرضي عشيقته التي تسكن الباب الجديد، جعلته يستخدم الشونة في اصطياد ضحاياه من السيدات والتجار الأثرياء، ويقوم بذبحهم وسرقة ما معهم من أموال ومجوهرات، ويدفن ضحاياه في شونة الغلال.



ويقولون إن آخر ضحاياه استطاع الإفلات منه وهو مصاب بجرح نافذ، وجرى محاولا الهرب إلى الصالة غير المغطاة، خارج الشونة، فأسرع سعد إسكندر خلفه وأجهز عليه.



لكن تبَّاعا رأى ما حدث وهو راقد فوق الأجولة العالية في سيارة نقل مرت بالصدفة أمام الشونة في ذلك الوقت، فأبلغ عما رأى وانكشف أمر سعد إسكندر.



ولكنه استطاع الهرب والاختباء في إسطبل للخيل إلى أن تم القبض عليه.



وبلغ عدد ضحاياه حوالي سبعة أفراد من الجنسين.



وقد كنا في بداية الشباب نقف في منطقة قريبة من سكننا، بقصد متابعة الفتيات الواقفات في الشرفات والنوافذ، خاصة فتاة بيضاء جميلة تقف كثيرا في الشرفة، فحكى زميلي، في ذلك الوقت، بأنها ابنة واحد من عصابة سعد إسكندر، ولا أدرى ما حقيقة ما قاله زميلي هذا، هل سجن والد الفتاة أو شنق مع سعد إسكندر.



وقد اشترت الشركة الأهلية للغزل شونة سعد إسكندر هذه وضمتها لمخازنها (أيام كان مقر الشركة في حي كرموز).



وكان من الشائع والمعروف والمعلن أن هذا المخزن هو مخزن سعد إسكندر، وكان العامل يجيبك بكل بساطة بأنه يعمل في مخزن سعد إسكندر.



أو يأمر الكومنده عامله بأن يذهب إلى مخزن سعد إسكندر لكي يأتي بكذا وكذا من هناك.



وترافع عن سعد إسكندر محامى الإسكندرية المشهور في ذلك الوقت "البرت بدار" واستطاع أن يعطل تنفيذ الإعدام لوقت طويل.



ويقولون إن سعد إسكندر كان يبدو رقيقا ومهذبا، وأنه عندما نفذ فيه حكم الإعدام كان رابط الجأش، وقد التقى بالمشنقة وكأنه في حفل عرس.



وقد مثلت بعض الأعمال السينمائية عن حياة سعد إسكندر، لكنها كانت كلها لا ترقى إلى الأعمال التي مثلت عن حياة ريا وسكينة.



رابعا :سفاحا المشتل 1955



محمد عبد العزيز وأحمد علي حسن بستانيان يعملان في حدائق محطة قطارات الإسكندرية، في منطقة يطلقون عليها "المشتل"، تقع في منطقة المناورة، حيث تتوقف القطارات للحظات حتى يسمحوا لها بالمرور إلى الرصيف الذي سيقل راكبي القطارات.



المنطقة بعيدة عن العمران، ولا يمكن أن يرى أحد ما يحدث فيها إلا من خلال القطارات التي تتوقف قليلا هناك، أو ربما من فوق البيوت العالية في الشارع الموازى لقضيب السكة الحديد؛ والمؤدى إلى ملعب البلدية.



من النادر أن يمر في منطقة المشتل إنسان، وإذا مر فهو يريد أن يستقل قطارا من المخزن ليضمن أن يجد مقعدا خاليا فيه، أو يريد أن يختصر الطريق للوصول إلى بيته.



وتخيل أن الذي يفعل هذا أو ذاك، لابد أن يكون بسيطا وفقيرا، ولا يمتلك في سترته سوى أموال قليلة جدا.



لكن محمد عبد العزيز وأحمد علي حسن قررا أن يقتلا كل من يمر أمامهما ويأخذا ما معه، ثم يدفنانه في أرض المشتل.



وتم القبض عليهما، وترافع عنهما محامى مشهور في الإسكندرية في ذلك الوقت اسمه "وليم اسكاروس"، وكاد أن يظفر لهما بالبراءة، لولا أن تقدمت امرأة وشهدت ضدهما، ربما رأتهما المرأة من مسكنها العالي، وهما يجهزان على ضحية من ضحاياهما.



المهم أن القاضي حكم بإعدامهما، وقد دخلا حجرة الإعدام محمولين من جنود السجن منهارين وكأنهما ماتا قبل أن يشنقا. هذان السفاحان أقل شهرة من كل سفاحي الإسكندرية الآخرين، فالكثيرون يعرفون ريا وسكينة، وحسن قناوي، وسعد إسكندر ومحمود أمين سليمان، آخر السفاحين، الذي سنتحدث عنه بعد ذلك، لكنَّ سفاحي المشتل ظلما ولم ينالا الشهرة التي حققها غيرهما من السفاحين.



خامسا : محمود أمين سليمان 1960



Image result for ‫محمود أمين سليمان 1960‬‎



محمود أمين سليمان هو السفاح الوحيد الذي عاصرتُه، وأتذكر أيامه، فقد كنت تلميذا في مدرسة صلاح الدين الابتدائية القريبة من العرضي المخصص لعلاج الحيوانات، والذي أصبح الآن مساكن شعبية، وقريبة من سكن أهل زوجة السفاح التي يريد قتلها.



لقد ظهر السفاح فجأة، وتتحدث عنه الصحف كل يوم، ويقولون إنه هرب من السجن، حيث كان يقضى عقوبة السرقة، وقد هدد بقتل زوجته نوال عبد الرءوف ومحاميه بدر الدين أيوب لظنه أن هناك علاقة آثمة بينهما.



ويريد قتل عديله جمال أبو العز لاعتقاده بأنه أبلغ البوليس عنه، وموظف اسمه محمود سليمان لظن السفاح بأنه على علاقة بأخته.



أحس أهلي بالخوف عليّ، وكان الحديث يدور بيننا في المدرسة عن ذلك السفاح وأحواله، لم نكن نخافه، بل امتزج حديثنا بالإعجاب وتمنينا أن نقابله، وتمنى بعضنا أن يصبح سفاحا يحير الشرطة، كما يحيرها السفاح الآن، عندما يكبر.



تحدثت الصحف عن ذهاب السفاح إلى فيللا أم كثوم، حيث كانت ستغني أغنية "أروح لمين" (كلمات عبد المنعم السباعي، وتلحين رياض السنباطي) في مسرح سينما الهمبرا بالإسكندرية.



بعد أن اطمأن إلى أنها بدأت الغناء؛ تسلق أسوار الفيللا في الزمالك، لكن الحراس ضبطوه واقتادوه إلى قسم الشرطة، وعندما عات أم كلثوم من الإسكندرية، أرادت أن تخلصه من تهمة السرقة، لكن الشرطة أصرت.



وفى رواية أخرى أنه تسلق أسوار الفيللا، وقابل أم كلثوم وطلب منها أن تغني له أغنية "أروح لمين" التي كانت مشهورة في ذلك الوقت.



واستوحى الكاتب المسرحي الكبير ألفريد فرج هذه الحادثة، وكتب مسرحية من فصل واحد، يحكى فيها عن مطربة مشهورة يزورها السفاح في بيتها.



واستوحى نجيب محفوظ رواية "اللص والكلاب" من حادث سفاح الإسكندرية "محمود أمين سليمان" الذي شغل الأذهان يوما وأقام الدنيا وأقعدها قبيل نشر الرواية.



وجعلت منه تهويلات الصحافة بطلا، وصورته في صورة الإنسان الخارق القادر على كل شيء.



كانوا يقولون إنه يستطيع القفز من عدة أدوار دون أن يصاب بسوء لأنه خلع عظمتي ركبتيه في عملية جراحية، واقتفت أثره الكلاب البوليسية حتى فر إلى كهف في الجبل كما تفر الضواري أمام كلاب الصيد. كانت شخصية السفاح محمود أمين سليمان في الواقع تافهة لا معنى لها ولا قيمة، لمع صاحبها يوما ثم انطفأ وزال أثره في الوجود.



السفاح عاش بطلا، ومات بطلا



هناك أسباب كثيرة تجعل نسبة كبيرة من المصريين تنحاز إلى الذين يخرجون على الشرعية ويواجهون السلطة؛ حتى وإن كانوا على غير الحق.



فالعديد من الأبطال الشعبيين أمثال: أدهم الشرقاوي، وياسين (حبيب بهية) وغيرهما، كانوا خارجين على القانون أو قطَّاع طرق. لكن الظلم المتراكم من السلطة جعل العديد من المصريين ينحازون إلى هؤلاء ويعجبون بهم.



وأذكر بعد مقتل محمود أمين سليمان، وكنت قريبا من سكنه، قرأت على جدران "العرضي" في حي محرم بك، عبارة "السفاح عاش بطلا، ومات بطلا."



مصطفى نصر ـ الإسكندرية







تعليقات