مكرونة سعيد التى أودت بمصر الى بعيد ... بقلم / أحمد العش

الخميس 18 مايو 2017   7:33:50 م - عدد القراء 86




مكرونة سعيد التى أودت بمصر الى بعيد ... بقلم / أحمد العش




أى منظومة حاكمة عبر التاريخ لها ما لها من الايجابيات وعليها ما عليها من السلبيات ، سواء كانت هذه المنظومة يقودها شخص ما أو كانت سلالة متوارثه ومتعاقبه على الحكم ، ولئن اختلفت آراء وتوجهات الأجيال فى جانبى الايجاب والسلب ، فان التاريخ حافظ أمين يعطى كل ذى حق حقه بعدل وانصاف وقليلا ما يشوبه الظلم والاجحاف ، واذا أقررنا بأن أى منظومة حاكمة قد تبلغ فى مراحل معينه مدارج العظمة والأوج ، فانها فى مراحل أخرى تصاب بالوهن والاضمحلال ، وربما فى مراحل ثالثه تنحدر الى أدنى دركات الذل الذى يهوى بها الى أسفل سافلين ،



وهذه سنة كونيه ثابته ، حيث يقول جلا علاه فى محكم التنزيل وتلك الأيام نداولها بين الناس صدق الله العظيم ، وبناء على ما سبق ذكره فان كلا الجانبين الايجابى والسلبى عنصرين أصيليين فى تاريخ أى منظومة حاكمة ، وكلاهما أيضا له آلياته نحو النجاح ودوافعه الى السقوط والاخفاق ، وهذا هو المألوف والمتعارف عليه فى معظم فترات الزمن ، أما غير ذلك فهو الاستثناء ولا شىء سواه ، والاستثناء الذى أعنيه هنا بعضا من الأسر الحاكمة فى مراحل مختلفه من التاريخ ، لعل أشهرها الأسرة العلويه التى أسسها محمد على باشا فى عام 1805م ، والتى حكمت مصر منذ ذلك الحين وحتى اندلاع ثوره يوليو 1952م ، وما يثير حفيظتى عن هذه الأسره أن الجانب السلبى فى معظم حكامها اقترن وثيقا بالبلاهة والسخافه ، فهذا هو الخديوى سعيد صاحب النصيب الأوفر من الفساد بين كل أفراد الأسرة العلوية ، عندما ارتكب أحمق القرارات فى حق الشعب المصرى ، وكيف أن آثارها الكارثيه امتدت الى يومنا الراهن ، فهو الذى أعطى فرديناند ديلسبس امتياز حفر قناة السويس واحتكار فرنسا للقناة لمدة 99 سنه ، لسبب يثير الغرابة والدهشة ، وهو أن سعيد كان بدينا فى صباه ، فلما خاف والده محمد على على مستقبله السياسى ، أسند الى ديلسبس مسئولية تخسيس ابنه سعيد ، وأمره بمنع طبخ المكرونة الاسباكتى على الطريقة الايطاليه ، والتى كان يفضلها سعيد فكان ديلسبس يحضرها اليه خلسه دون علم والده محمد على - فلما وصل سعيد الى الحكم أراد أن يعرب عن امتنانه لما قدمه اليه ديلسبس ، فوافق من وحى اللحظة دون أدنى تردد على مشروع امتياز حفر قناه السويس للفرنسيين ،



ليس هذا فحسب بل أصدر سعيد فرمان يقضى بأن يتولى العمال والفلاحين المصريين مهمة حفر القناة ، وكم كانت خسارة مصر فادحه آنذاك ، حين ترك هؤلاء حقولهم ليلقوا حتفهم على شواطىء القناة ، حيث كانت تفتك بهم الحمى وسوء الأحوال الجوية الخ ، فمات منهم الألوف من خيرة رجال وشباب مصر ، وما يؤسف له كذلك على عهد سعيد اسرافه فى الانفاق ، وهو ما دفعه الى الاقتراض الخارجى حيث قام بعمل أول قرض أجنبى قيمته ثلاثة ملايين جنيه استرلينى ، وهو ما مهد الطريق لسلفه اسماعيل الذى اتبع نفس المضمار ليجلبا سويا الخراب والويلات على البلاد ، وليس منى بافتراء ولا اجتراء على الخديوى سعيد الذى وقف بالمرصاد فى ذات يوم الى التعليم ، عندما أغلق المدارس العليا وله فى ذلك مقولة شهيرة ، أمة جاهله أسلس قيادة من أمة متعلمه ، فى اشارة واضحة منه الى خطورة الأمة المتسلحة بالعلم والثقافة على مستقبل الحاكم ،



ومن جريمة الى اخرى يمضى عهد سعيد بكوارث مثقلة على أحمال مصر، فقد قام يوما بارسال جيش جرار من مصر لامداد الجيش الفرنسى الذى يحارب فى المكسيك ، فى حربا لم يكن لمصر فيها ناقة ولا جمل ، سوى مجاملة من حاكم مصر لصديقه نابليون الثالث ، ولم يكن من المستغرب أيضا أن يكون سعيد ذو ميول غربية كما كان أبوه محمد على ، فقد اجبره الفرنسيون والانجليز على مراعاه حقوق الأقباط فى الاقليم المصرى وكانت البداية باصدار قرار رفع الجزية عن المسيحيين لأول مرة فى تاريخ مصر منذ الفتح الاسلامى للبلاد ، كما قام بتعيين حاكم مسيحى لأول مرة على اقليم مصوع بالسودان وأنشأ كلية خاصه للأقباط الأرثوذكس - وهكذا تمكن المسيحيين من المناصب العليا فى البلاد بالتدرج الزمنى الى اليوم ولم يكن سعيد هو الاستثناء الوحيد الذى انحرف عن المنهج الصحيح بل ان سائر حكام الأسرة العلويه اتبعوا الهوى ليضلوا عن سبيل الله ،



فهذا هو محمد على منظر العلمانية الأول فى مصر وما حولها ، وذاك هو توفيق الخائن الذى فتح مصر على مصراعيها للغزو البريطانى الذى استفحل أمره فى ربوعها لنحو سبعين عاما ونيف ، و اسماعيل الذى انبرى على التقاليد الشرقيه ، بعد أن أغرته النهضة الأوروبية ، فلما طوعت له نفسه أن يقلد النموذج الغربى فى محاكاته واسلوبه وطقوسه ، اذا به يرصد كل أموال البلاد لبناء نهضة يقارع بها الغرب ، فما كانت الا نهضة وهمية قشرية مظهرية ، كبدت الدولة ميزانيات مالية ضخمه ، ولما أصبحت خزائن الدولة خاوية على عروشها ، اضطر اسماعيل للاستدانه الخارجيه التى أغرقت البلاد فى بحر من الديون ، هكذا أفسد اسماعيل كما أفسد أسلافه من قبله محمد على وسعيد ومن بعدهم توفيق وما فساد فاروق منا ببعيد ، والغريب فى الأمر أن بعض المؤرخين المفتونين بالأسرة العلوية يبالغون فى سرد انجازاتها الوهميه فى عشرات المقالات والروايات التى يتلقفها العوام بآذان صاغية وعقول خاوية ، كيف ذلك !!!



لست أدرى






تعليقات