الشرق الأوسط الكبير .. الوسائل والهدف ..؟

الخميس 18 مايو 2017   7:36:19 م - عدد القراء 301




الشرق الأوسط الكبير .. الوسائل والهدف ..؟




كتب د. عمر ناموس



تؤمن دوائر القرار في الكيان العبري أن أمن إسرائيل لايمكن أن يتحقق إلا بتفكيك الدول العربية المركزية إلى دويلات طائفية متصارعة بحيث تصبح إسرائيل هي الحَكم والمتحكم فيها ..!



فمنذ قيام هذه الدولة وضع رئيس وزراء إسرائيل الأسبق بنغوريون رؤيته لتفتيت المجتمع العربي على أسس طائفية وعرقية وذلك في وثيقته لعام 1953 حيث تكون البداية من العراق الذي ينبغي أن يقسم إلى ثلاث دويلات (شيعية في الجنوب وسنية في الوسط وكردية في الشمال ) .



وفي كتابه (الشرق الأوسط الجديد ) يقول شمعون بيريز : نحن نريد شرق أوسط تقوده إسرائيل وهو شرق أوسط مفكك على أسس عرقية وطائفية ومذهبية يشتبك فيه الجميع مع بعضه البعض. وعلى صعيد آخر هناك اعتقاد إسرائيلي أن الدولة العبرية – وهي دولة أقلية -لايمكن بقاؤها إلا بتفكيك الدول وبعثرة السكان وهذا ماورد في الندوة التي عقدت في عام 1992 في مركز بار إيلان للدراسات الإستراتيجية الإسرائيلي تحت عنوان الموقف الإسرائيلي من الجماعات الإثنية والطائفية حيث عقدت هذه الندوة بمشاركة عدد كبير من ممثلي الأقليات الدينية والطائفية والعرقية الذين ينشطون في مجال مشاريع طائفية ترمي إلى تفتيت المنطقة على أسس دينية ومذهبية وعرقية وكان مما نتج عن هذا المؤتمر من توصيات أن الأقليات شريك حقيقي لإسرائيل ولابد أن تقف مع إسرائيل في مواجهة المد الإسلامي ...وهذه التوصيات تعتبر تجسيداً لأفكار شيمعون بيريز الآنفة الذكر ..



لقد انتقل التعامل الصهيوني مع ظاهرة الربيع العربي من حالة الإرتياب والتوجس من هذه الظاهرة إلى حالة التعامل البراغماتي مع هذه الظاهرة إلى أن وصل الأمر إلى المرحلة التي وجدت فيها الدوائر الصهيونية وداعموها الغربيون في الربيع العربي بيئةً خصبة وتربة صالحة لتنفيذ أفكار بنغوريون ، ومشروع بيريز (الشرق الأوسط الجديد ) ، هذا المشروع الذي يتقاطع مع مشروع الشرق الأوسط الكبير الذي طرحه الرئيس جورج بوش الإبن إبان احتلال العراق عام 2003 والذي روجت له كونداليزا رايس وزيرة الخارجية الأمريكية آنذاك وذلك بعد صدور أول مخطط مكتوب من وزارة الدفاع الأمريكية وعن مستشار الأمن القومي في عهد كارتر ( بريجينسكي ) الذي لم يكن يتحدث عن هذا المخطط أنه مجرد فكرة أو مشروع منسوب للمستشرق الأمريكي ذي الأصول اليهودية برنارد لويس .. لكنه أشار إلى أن خطة لويس هذه ( الشرق الأوسط الكبير ) قد تم إقرارها بالإجماع من قبل الكونغرس الأمريكي وبالتالي تم تقنينها واعتمادها في ملفات السياسة الخارجية الأمريكية كسياسة استراتيجية للإدارة الأمريكية في السنوات المقبلة .. كما أنه تجدر الإشارة إلى أنه من بين الوثائق التي تحدثت عن هذه الخطة الوثيقة التي نشرتها مجلة "القوات المسلحة" تحت عنوان: "حدود الدم" . وهي الوثيقة التي تشير إلى أن:



"بلوغ هذه الغاية سيتم عبر سلسلة نزاعات محلية وإقليمية، يؤدي عنفها، في النهاية، إلى التخلص من حدود 1916"؛ أي الحدود التي رسمها الدبلوماسيين البريطاني والفرنسي ( سايكس بيكو ) ورسم حدود جديدة للدول العربية المستهدفة . وهكذا فإن ما نشهده اليوم على الساحة العربية وخاصة في كل من سورية والعراق هو عملية تنفيذ تدريجي لتلك الخطط والنظريات التي صيغت في كواليس الدوائر السياسية لدى كل من إسرائيل والولايات المتحدة ، حيث وجدت في الربيع العربي البيئة المناسبة لتنفيذ مشروعها في تمزيق المنطقة العربية إلى دويلات ضعيفة ذات بنية كرتونية ، معتمدةً من أجل تحقيق ذلك على مجموعة من الوسائل والطرق ..



وهنا يبرز الدور الإيراني الذي يعبر عن طموحات إيران في إعادة أمجاد فارس حيث تم استغلال هذه النقطة وتم السماح لإيران من قبل الغرب وإسرائيل للتدخل في العديد من الدول العربية كسورية والعراق واليمن كما سمح للمليشيات الطائفية التابعة لها بالتدخل لوأد الثورات العربية والمساهمة بشكل فاعل في رسم خريطة الدم وتمزيق دول المنطقة .. وأما تنظيم داعش الذي يعتبر بشكل أو بآخر صنيعة النظامين الإستبداديين في سورية والعراق ، هذا التنظيم يلعب اليوم دور التيس المستعار أو التيس المحلِل إذ بوجوده وسلوكيته الهمجية البربرية أوجد الذريعة الكبرى لكل دول العالم للتدخل في شؤون دول المنطقة بحجة مكافحة الإرهاب ..



يشكل طموح الأكراد في إقامة دولتهم المستقلة أرضيةً سهلة لاستعمالهم كأداة لتحقيق ماترنو إليه الدوائر الغربية والأمريكية خاصة في عملية التقسيم ورسم خرائط الدم ، وهذا مانشاهده اليوم في سورية حيث يقاتل الأكراد وبدعم أمريكي علني لإقامة دولتهم وتحقيق حلمهم التاريخي على جزء من الأرض السورية .. وأخيراً فإن نظام الإستبداد في المنطقة العربية يشكل أرضية صلبة تنطلق منها مخططات التقسيم الجديد لبعض الدول العربية ، ذلك أن الدولة البوليسية المبنية على الظلم والانحياز لفئة معينة من أبناء الأمة هي البيئة المناسبة لنمو الأحقاد وإحداث الشروخ في البنية الاجتماعية للدول المستهدفة في خطة التقسيم ..



وبعد : فإن تباشير تنفيذ مخططات الشرق الأوسط قد بدأت بالظهور في سورية من خلال مشروع ترامب المعني بالناطق الآمنة ، ولاأشك أن العراق سائر في طريق التقسيم الذي سيكون نتيجة طبيعية للصراع الدائر هناك ، وسيطال مخطط التقسيم إن أتيحت له الظروف السياسية والاجتماعية سيطال كلاً من اليمن ومصر والسعودية وليبيا .. وعندها سيتحقق الهدف وهو أن تكون إسرائيل هي الدولة الكبرى الوحيدة في منطقة الشرق الأوسط الكبير الذي يغيب فيه مصطلح العالم العربي أو العالم الإسلامي .. هل تستسلم شعوبنا لما يُدَبّر لها ..






تعليقات