ثورة المصريين ضد الأتراك : للإفراج عن عزيز المصري

الجمعة 16 يونيه 2017   6:02:00 م - عدد القراء 8390

ثورة المصريين ضد الأتراك : للإفراج عن عزيز المصري



عام ١٩٠٩ إنفجرت في تركيا حركة ثورية يقودها الضباط ، عرفت بإسم حركة الإتحاد والترقي .. وقادت هذا اتلحركة عملية إسقاط الخلافة العثمانية ، وإستبدال نظام الدولة القائم علي الشريعة ، بنظام علماني علي الطراز الأوروبي .. وقد واجهت هذه الحركة إشكالا متعددة من المقاومة سواد من جانب الأتراك ، أو من جانب الجنود والضابط العرب ، الذين كانوا جزءا من الجيش العثماني والحاميات العثمانية المقيمة في تركيا ..



وكان البنباشي عزير المصري ، واحدا من كبار الضباط في الحاميات العثمانية المقيمة في إستنبول . لم يكن ضابطا عاديا ، بل قائدا في جمعية سرية مقاومة لحركة الإتحاد والترقي ، عرفت بإسم جميعة العهد ..



Image result for ‫الفريق عزيز المصري‬‎



في ٢١ مارس ١٩١٤ نشرت الأهرام تقريرا طويلا من الأستانة جاء فيه‏:" أخذت الحكومة تخرج كبار الضباط العرب من صفوف الجيش‏.‏ فبعد أن أحالت على التقاعد هادى باشا وهو من أكبر فرقاء الدولة بلا جدال‏.‏ أخرجت عبد الفتاح باشا وشكرى باشا الأيوبى بحيث أنه لم يبق من أمراء الألوية من أبناء العرب غير رضا باشا ركاب فقط ‏.‏ وهو معروف بميله الشديد إلى سياسة الحكومة الحاضرة‏ .‏ أما صغار الضباط من الملازمين إلى البنباشيين فإنهم يرسلون إلى داخل البلاد‏ ، وكان في مقدمة من خططت الحكومة لنفية داخل تركيا البنباشي عزيز المصري “.‏



ولم يكتف الإتحاديون بذلك ، بل عملوا علي تدبير تهم مدوية لمحاكمة الضابط المتمرد عزيز المصري . فالقي القبض عليه ..



بعد خمسين يوما كاملة من القبض على الضابط المصرى دون أن تفصح الحكومة التركية عن التهم الموجهة للرجل مما سبب فى تململ واضح لدى الرأى العام المصرى والعربى,‏ انجلى الأمر ببرقية من مكاتب الأهرام فى عاصمة الدولة العلية فى 30‏ مارس جاء فيها أن التهم‏" محصورة فى أمور بنغازى فقط والحكومة استدعت ثمانية ضباط للشهادة ضد عزيز بك‏".‏



فى المراسلات التالية لم يفتأ مكاتب الأهرام من التلميح أحيانا والتصريح أحيانا أخرى بما يدبره أنور باشا



( وزير حربية الإتحاديين ) لعزيز بك المصرى من تلفيق للتهم‏,‏ فيقول فى إحدى تلك المراسلات‏" اتصل بى أن الحكومة تعبت أتعابا كثيرة فى وجود شهود عليه من الضباط أبناء العرب لتبعد الشبهة عنها ولكنها لم توفق‏.‏ وغاية ما فى الأمر أنها توقفت لوجود شاهدين أو ثلاثة من ثمانية شهود‏.‏ ولما حضروا أمام المحكمة العرفية



‏(‏ العسكرية‏)‏ رفض واحد منهم الشهادة فطرد من الجيش وأسقطوه من رتبته وهذا الضابط اسمه حسين أفندى".‏



في‏4‏ إبريل عام 1914‏ بدأت محاكمة عزيز المصري‏..‏ عدد أعضاء المحكمة عشرة وثلاثة من المعاونين‏" وكان بين الأعضاء رجل واحد عربى لم يجرؤ على أن يفتح فاه مخافة من أن يطردوه من الجندية كما جرى لغيره‏",‏ طريقة الشهادة اتسمت بالغرابة‏" فقد كان الشهود يفوهون بشهاداتهم أمام المحكمة بعد أن يخرجوا عزيزا منها وحينما يفرغون من ذلك يرجعون عزيزا إلى المحكمة‏.‏ أما إذا احتاجوا لإيضاح فكانوا يدخلون عزيزا لسماع أقوال الشاهد فإذا كذبه عزيز يقولون له‏:‏ قولك غير صحيح لأن هذا الشاهد قد حلف اليمين‏"!‏



تدخل وزير الحربية فى المحاكمة كما يقول مراسل الأهرام بقوله ان‏" أنور باشا كان يبلغ رئيس المحكمة العرفية رغائبه وقراراته ويستعلم منه بالتليفون عن سير المحاكمة وأقوال الشهود‏.‏ وكان إذا احتاج إلى حديث طويل يخرجون عزيز بك من الجلسة فيتكلم رئيس المحكمة بالتلفون مع أنور باشا ويتلقى أوامره ثم يرجعون عزيزا إلى قاعة المحكمة ويكملون محاكمته‏"!‏



Image result for ‫الفريق عزيز المصري‬‎



كان ذلك ما دفع الضابط المصرى إلى أن يلقى خطابا طويلا ثانى أيام المحاكمة تساءل فيه عن‏" هذه المعاملات السافلة والغرض الأعمي‏!,‏ هل أنتم محكمة أم لجنة عينت للحكم علي؟ إذا كنتم تريدون أن تحكموا على بالإعدام فلم هذه المحاكمة ولم هذه الرواية‏..‏ يظهر لى من كلامكم أنكم تنوون الحكم على فأنا استنكف الحضور بعد الآن إلى هذه المحكمة فاحكموا بما تريدونه‏"!‏



ولم تخيب المحكمة ظن عزيز بك المصرى فأصدرت حكمها فى 14‏ إبريل على الرجل بالإعدام‏,‏ وجاء فى حيثيات الحكم‏" حيث أن عزيز بك المصرى أطلق سراح المدعو حسين بسكرى المتهم بالجاسوسية للإيطاليين فى بنغازى بلا سؤال ولا جواب وبلا محاكمة ولا عقاب‏,‏ وحيث أنه لم يسع للاتفاق مع السيد أحمد الشريف السنوسى قائد العرب العام بل سبب الشقاق والنزاع معه بلا داع ولا سبب‏,‏ وحيث أنه هاجم الإيطاليين فى واقعة شويمار بلا تدقيق ولا تبصر فكان ذلك الهجوم سببا فى استشهاد عدد كبير من الضباط والجنود العثمانيين والعربان‏,‏ وحيث أنه أخذ من أموال الدولة ثلاثة آلاف ليرة عثمانية بلا إذن ولا رخصة‏..‏ حكمت عليه المحكمة بالإعدام‏"!‏



Image result for ‫الفريق عزيز المصري‬‎



غير أنه بعد رفع الحكم المذكور لمجلس الوكلاء للتصديق عليه قرر استبدال صورة الحكم بالإعدام بالأشغال الشاقة فى إحدى القلاع العثمانية مدة خمسة عشر عاما‏",‏ بيد أن الرجل ظل يوجه كلماته لأعضاء المحكمة منبها أن‏" آمتى المصرية والشعب العربى لا ينسيان أبدا هذه المظالم ولا يقعدان عن طلب الإنصاف مهما حالت دونه الحوائل‏",‏ وكان لهذا القول ما يبرره مما أثبتته مسيرة الأحداث‏!‏



منذ اللحظة الأولى للقبض على عزيز المصرى" تحركت أمته‏" فى شتى الاتجاهات لتخليصه من براثن أنور وأعوانه.



ما أن وصلت أنباء القبض على الرجل إلى العاصمة المصرية حتى تألف‏" وفد من العظماء قابل ولاة الأمور وبسط لهم أمانى الأمة أن يطلق سراح ذلك الضابط الباسل ليعود إلى أهله وذويه بعد أن أتم جهاده وقضى حق الوطنية والدولة عليه فوعدوهم ببذل الوساطة لدى الباب العالى وأرسل دولة البرنس عمر طوسون باشا تلغرافا إلى الصدر الأعظم يبسط له فيه أمنية الأمة المصرية ولا شك عندنا بأن الوزارة العثمانية تصغى إلى طلب المصريين وتبشر غدا بإطلاق سراحه ويزول ما أحدثه خبر القبض عليه‏"!‏



امتدت هذه الحركة إلى الإسكندرية حيث‏" اجتمع لفيف من ذوى المكانة فى الثغر وقرروا تأليف وفد لمقابلة ذوى الشأن للتوسط فى الإفراج عن بطل مصر عزيز بك المصرى",‏ وإلى الأقاليم من حيث وصلت إلى الأهرام‏" تلغرافات من السنبلاوين وأسيوط والزقازيق وشبين القناطر وبلبيس وغيرها كلها رجاء إلى الحكومة العثمانية بأن تطلق سراح حضرة الضابط الباسل عزيز بك على المصرى المشهورة مكانته ولا شك عندنا بأن الباب العالى يقدر ميل المصريين حق قدره ويراعى عواطفهم وأمانيهم‏".‏



كان الأزهر أولى تلك الجهات فقد أعلن الشيخ سليم البشرى شيخ الجامع العتيد في ‏22‏ مارس عام 1914‏ عن تأليف لجنة تحت رئاسته‏" للنظر فيما يجب عمله فى مسألة عزيز بك على المصرى,‏ وليس من الناس إلا من عرف اسم ذلك البطل وأتاه نبأ سجنه بالأستانة‏,‏ ورأينا أن نعقد لهذا الغرض اجتماعا فى محل إدارة اللواء القديم للتشاور فيما يجب اتخاذه من الطرق المؤدية لإنصاف هذا البطل‏".‏



وعقد فعلا الاجتماع الحاشد الذى دعا إليه الشيخ البشرى حيث تداول الحاضرون الكلمات كان أبرزها خطبة المناضل العربى رفيق بك العظم الذى أعرب عن مخاوفه‏" من السعايات والوشايات‏",‏ تبعه رشيد رضا‏,‏ لطفى جمعة‏,‏ أبو شادى بك وأخيرا إبراهيم الهلباوى بك‏,‏ وانتهى الاجتماع بقرار‏" بانتداب فضيلة الأستاذ الأكبر والشيخ حسونه النواوى وبعض الأعيان لمقابلة سمو الجناب العالى وسكرتير القوميسرية العثمانية وبعض قناصل الدول المتحابة لبذل الوساطة للعفو عنه ورفع تلغراف إلى الصدر الأعظم بطلب العفو‏".‏



التلغراف الذى أرسله الشيخ البشرى إلى أنور باشا مطالبا إياه بالنظر إلى خدمات عزيز بك للدولة والملة جاء رد الأخير عليه‏:" لا يمكننى أن أطلق سراحه قبل الحكم ببراءته وربما بعد براءته يسمح له بالسكن فى نقطة معينة غير القطر المصرى",‏ مما كشف عن نية حكومة الاتحاديين على إبعاد الرجل ونفيه عن وطنه‏.‏



طلبة المدارس العليا عقدوا بدورهم اجتماعا قصدوا بعده إلى قصر عابدين معهم عريضة كان مما جاء فيها‏" جئنا اليوم لنجود لأخينا عزيز بما نملك‏..‏ دمعة حزن وكلمة استرحام فطالما جاد لنا ولديننا ولأمتنا بما لا يملك‏,‏ حياته وسيفه‏,‏ ونتقدم صفا واحدا لسمو أميرنا المحبوب طالبين إلى سموه إجابة أصوات شباب أمته وتداخله فى أمر عزيز بما له من المكانة الكبيرة عند سلطاننا الأعظم‏"!‏



بعد ذلك جاء الدور على" رجال الماسونية‏" الذين اجتمعوا بباب الخلق وقرروا أن يوجهوا مجموعة من التلغرافات إلى السلطان ووزارتى الحربية والداخلية العثمانية وغيرهم من المسئولين‏..‏ نص التلغراف‏:" نلتمس من مراحمكم أن تشملوا عزيز على المصرى بعين عنايتكم الساهرة على راحة الرعية حتى تطمئن قلوب إخوانه من المسلمين والعثمانيين على اختلاف أشكالها‏"!‏



كانت هذه الحركة العامة فى مصر تأييدا لعزيز المصرى مثار دهشة من جانب الاتحاديين الذين عبروا عن سخطهم عليها ومحل مخاوف السلطات البريطانية التى تحسبت لاحتمالات الهياج بين المصريين إذا ما استمر بطلهم فى المحبس العثمانى,‏ عبرت التايمز عن ذلك فى مقالة افتتاحية لها بعد صدور الحكم بإعدام الرجل كان مما جاء فيها أن ارتكاب مثل هذه الجريمة القضائية‏" سوف يحدث تأثيرا شديدا فى العلاقات بين مصر وتركيا وقد لا ينحصر ذلك التأثير فى تلك العلاقات فقط‏"!‏



لم يكن غريبا مع ذلك أن تتدخل حكومة لندن فى هذه القضية فقد أرسلت وزارة الخارجية البريطانية‏" تعليمات صريحة وشديدة إلى سفيرها فى الأستانة بشأن عزيز بك على المصرى,‏ وقد قابل السير مالت فخامة الصدر الأعظم وأنور باشا وكلمهما بموضوع الحكم عليه طالبا العفو عنه‏",‏ وتضيف رويتر التى ساقت هذا الخبر الذى نشرته الأهرام فى 17‏ إبريل عام 1914‏ بأنه‏" يغلب على الظن هنا أن الحكومة العثمانية تصدر إرادة سنية بالعفو عنه وتطلق سراحه‏".‏



Image result for ‫عزيز بك على المصرى,‏‬‎



فى مجموعة من البرقيات التالية بعث بها مكاتب الأهرام فى الأستانة تروى الجريدة فى عددها الصادر يوم 23‏ إبريل قصة العفو عن عزيز على المصري‏..‏ برقية أولي‏:" صدرت الإرادة السنية بالعفو عن البكباشى عزيز بك المصري‏..‏ وقد أطلق اليوم سراحه‏",‏ تبعها ببرقية ثانية يتحدث فيها عن أن حل هذه المسألة قد نتج عن تدخل عدد من الرجال ذوى النفوذ والتأثير الذين‏" نصحوا حكومة الباب العالى بوجوب الاعتدال على هذا الشكل لما سيحدثه من تأثير حسن فى العالم الإسلامى وفى الرأى العام الأوربى",‏ أنهاها ببرقية أخيرة عن إبحار الرجل على الباخرة الرومانية الملك كارول قاصدا الإسكندرية‏" وقد شيعه إليها عدد كبير من الشبان أبناء العرب ومن الأصدقاء المخلصين فهتفوا له وهنأاه بإطلاق سراحه‏"!‏



استقبال الرجل فى وطنه أفردت له الأهرام فى عددها الصادر فى 27‏ إبريل مساحة كبيرة‏,‏ فقد ذهب المستقبلون فى قطار خاص إلى الثغر حيث كان ينتظر فى الميناء‏" جمهور عظيم من أهالى الإسكندرية وجميع مراسلى الصحف الأوروبية والمصرية وكان مصورو السينماتوغراف قد أعدوا عددهم لأخذ صور الموكب وصفق الحاضرون وعلت الأصوات بالهتاف فسار عزيز بك بين صفين من الجند واستقل القطار الخاص إلى القاهرة فوصلها فى الساعة الواحدة والنصف وكان على الرصيف لاستقباله جمهور غفير من الوجهاء والأعيان والأدباء والشيوخ‏".‏



كتبت الأهرام تعلق على ذلك الاستقبال فى اليوم التالى بأنه ‏"إذا لم يكن عزيز بك بطلا‏,‏ وهو بطل باعتراف خصومه فقد صيرته محاكمته ذلك البطل‏",‏ وكأنما كانت جريدتنا تتنبأ بذلك عن دور هذه المحاكمة فى صناعة الأسطورة‏ !‏



Image result for ‫عزيز المصري‬‎








تعليقات