حراك الريف في المغرب: هل آن الأوان لتدخُّل الملك؟

السبت 17 يونيه 2017   11:03:41 ص - عدد القراء 147

حراك الريف في المغرب: هل آن الأوان لتدخُّل الملك؟



يدخل حراك الريف في المغرب شهره التّاسع دون التوصّل إلى حلٍّ توافقيّ يُرضي المُحتجّين وتستجيب له الحكومة. هذا الحراك الذي اندلع عقب حادثة مقتل الشاب محسن فكري في حاوية النفايات بعد أن أتلفت الشرطة البلدية بضاعته بكل تلك الشماتة التي كشفها أحد أكثر الفيديوهات تداولًا في المغرب والعالم، مُختزلًا حدود الانتقال الدّيمقراطي الذي شهدته المملكة تحت تأثير ريح الرّبيع، وكاشفًا تواصل صراع المركز والسّلطة مع الهوامش؛ مثّل ولازال أحد أبرز إخفاقات السّلطة وبات يبعث بكثير من القلق خاصّة مع تطوّراته الأخيرة.





من هنا انطلقت الحكاية



على طريقة البوعزيزي، رمز الثورة التونسية ومُطلق شرارة الربيع العربي؛ دخل الشاب محسن فكري التاريخ: بائع سمك متجوّل ثلاثيني؛ شاءت الصُّدف أن تعترضه الشرطة ذات جمعة في مدينة الحسيمة وأن تحجز بضاعته التي يرتزق من المتاجرة بها ليتقرّر إتلافها ورميها في شاحنة رفع الفضلات. وعلى نحوٍ دراميّ، ومُحاولة منه للانتفاض على قسوة الشّرطة التي حرمته من رأس ماله ومورد رزقه؛ اندفع الشاب الريفي مُلقيًا نفسه داخل الشاحنة غضبًا وحنقًا وربّما مُحاولًا استرجاع بضاعته، إلا أن هذا لم يمنع محرّك الشفط داخل الشاحنة من الدوران، ليتلف السمك، وليطحن عظام صاحب السّمك في مشهدٍ أليم لقي به حتفه على الفور.



وبين الحديث عن تعمّد طحن بائع السّمك وفق ما نقله شهود عيان، ونفي السلطة الحديث عن حالة انتحار؛ تحوّلت الحادثة لمحرّك إحدى أبرز التحرّكات الإحتجاجية في تاريخ المغرب القريب: في البداية كانت بتجمهر عشرات المتظاهرين أمام مفوضيَّة الأمن والمحكمة الابتدائية في مدينة الحسيمة،  وتداول مُكثّف لصور وفيديوهات تنقل للعالم بشاعة الطريقة التي قتل بها فكري، ليلتحقَ في اليوم الموالي مئات الأشخاص من المدن المُجاورة للمُشاركة في جنازة بائع السمك، ولتتحوّل بدورها إلى مسيرة غاضبة.





 مظاهرات في الريف تحمل صورة الزفزافي



وفي اليوم الموالي؛ خرج آلاف المُغاربة في مسيرات شعبية غاضبة في أكثر من عشرين مدينة مغربية، مسيرات هي الأكبر منذ اندلاع مظاهرات حركة 20 فبراير (شباط) 2011، رافعة شعارات سياسية واجتماعية من بينها «الشعب يريد إسقاط المخزن»، و«الجماهير ثوري ثوري على النظام الدكتاتوري»، و«حرية كرامة عدالة اجتماعية»، و«الشعب يريد قتلة الشهيد»، و«الشهيد مات مقتول والمخزن هو المسؤول».



السلطة من جهتها حاولت أن تتجنّب الصّدام مع هذا الحراك الاحتجاجي خوفًا من أن تتطوَّر الأمور وهو ما تجلّى أساسًا من خلال تسجيل حضور أعداد  قليلة من أفراد الأمن خلال المظاهرات ما فُهم منه أن السلطات الأمنية تلقت أوامر بعدم التدخل نهائيًّا.



ومع تواصل الحراك زمنيًا لأشهر متعاقبة، شهد الأخير  تحوّلا مفصليا من خلال إفرازه لزعامات أصبحت تقوده وتصوغ مضامينه وتعمل على تجذيره وتأطير المطلبيّة فيه. ومن بين أبرز الزّعامات التي أفرزها حراك الريف نذكر ناصر الزفزافي. هذا التّحوّل الهيكلي في بنية التحرّك لم يرافقه تحوّل على مُستوى تعاطي الحكومة المغربية معه، إذ تشير التقارير إلى أن السلطة لم تعترف بهذه الزّعامات الجديدة ما دفعها للتصعيد، وكان أبرز ملامحه قيام الزفزافي بمقاطعة صلاة الجمعة لأن الخطيب يدعو للحكومة والملك، الأمر الذي دفع السلطة لاعتقاله رفقة آخرين، فاتحة الباب أمام مزيد تأزيم للوضع المُعقّد أصلًا.





لماذا استعصى على السلطة إيجاد الحل؟



1- خلل في الأداء التفاوضي



اكتفت السلطة في المغرب بالتفاوض مع أصحاب المناصب الرّسمية (المنتخبون المحليون) وبعض الرموز المحلية النّاشطة سياسيًا، وأيضًا في مجال المجتمع المدني. وقد تكون هذه السياسة من بين أبرز مُعطّلات الحلّ باعتبار أنها قفزت على واقع الحراك الريفي الذي أفرز رموزًا وقيادات ميدانية قادرة أكثر من غيرها على التحكم والتأثير في الجماهير الغاضبة والمحتجّة.



هذا التوجّه التّفاوضي الذي فُهم منه مُحاولة السلطة تهميش الزّعماء الجدد تغافل على حقيقة أخرى وهي ضعف شعبيّة المُنتخبين، والذي تجلّى خاصّة من خلال ضعف نسبة المُشاركة في انتخابات 2015 و2016 على التوالي.



2- التجاذب السياسي



تزامن زخم الحراك مع ما يُطلق عليه المغاربة «البلوكاج السياسي» أو حالة التعطّل التي شهدتها جهود تشكيل الحكومة، وهي أزمة سياسية خانقة فرضتها نتائج الانتخابات وحسابات الأحزاب. السّلطة التي كانت تعيش أزمة سياسية وتبحث عن توافقات وتحالفات، لم تكن قادرة في وضع الحيرة ذاك أن تتعاطى بمرونة مع الأزمة الإجتماعية، بل ذهب بها الأمر للتوجّس خيفة من هذا الحراك وقراءة أحداثه سياسيًا على أنه دفع نحو مزيد تعقيد الوضع.



على صعيدٍ آخر، لم يقدر «حزب الأصالة والمُعاصرة»، المحسوب على القصر، على لعب دور إيجابي في المنطقة، بالرغم من فوزه فيها في الانتخابات الأخيرة. ولم يقدر أيضًا «حزب العدالة والتنمية» بصفته الحزب الأكثر تمثيلًا للمغاربة وفق نتائج الانتخابات، من تجاوز أزمة تشكيل الحكومة وإعفاء أمينه العام بنكيران، والتي تسبّبت بحسب مراقبين فيما يُشبه العطالة الدّاخلية داخله.



ومُؤخّرا؛ كشفت اللهجة الحادّة التي ردّ بها «فؤاد عالي الهمة» وهو أحد مستشاري الملك وأبرز أعضاء ديوانه، على ما قال أنها إشاعة التنسيق بين المؤسسة الملكية وبنكيران والتي تم تداولها بعد تسجيل استقبال أمين عام «البي جي دي» له في منزله، عن وجود برود بين الملك ورئيس حكومته السابق، وهو ما لا يُمكن إلا أن يُؤثّر سلبًا على الوضع في الريف وتعاطي منظومة الحكم معه.



3- فشل مُحاولات العزل



في الوقت الذي حاولت فيه السُّلطة وأجنحتها الإعلامية والسياسية عزل حراك الريف عن باقي الجسم المغربي من خلال التلميح والتصريح بوجود أيادي خفية انفصالية وأطماع خارجية تستغلّ الأوضاع وتتحكّم فيها من خلال تمويل الحراك بالإضافة لتعمّد الإعلام الرسمي تجاهله والتّضييق على زعمائه وتشديد الخناق عليهم حتى افتراضيًا؛ كان الحراك يعمل على تجذير نفسه عبر رفع شعارات مقاومة الفساد واحترام قيمة وكرامة أهل الريف وإنصافهم تنمويًّا واقتصاديًّا في إعادة إحياء لشعارات 2011 كاسبًا تعاطف المغاربة وكاسر طوق الحصار الذي حاولت أن تضربه السلطة.



تفطُّن الحراك الاحتجاجي لمُحاولات السّلطة  عبّر عنه الزفزافي قائلًا:



لا يمكن بأية حال من الأحوال أن يفرقنا المخزن… ونحن نقول إن مطالبنا هي نفس المطالب الموجودة في كافة المدن المغربية تقريبًا، وتضامن باقي المدن سيعطينا قوة أكثر.. إنّ حراك الريف هو حراك الشعب المغربي ضد الحقرة والتهميش والفقر.



4- غياب الوسيط وإخفاق المنظومة الدّيمقراطية الوليدة



مثّل حراك الحسيمة الذي امتد لأشهرٍ طويلة امتحانًا جديًّا للدّيمقراطية النّاشئة في المغرب. الدّيمقراطية التي تقوم على الأحزاب والمُجتمع المدني وسيطًا بين الدّولة والشعب وآلية لتنصيب الأحزاب لقيادة الدّولة لم تنجح في أن تكون وسيطة نحو الحل.



ومن بين أبرز الإشارات التي يجب على النّخب المغاربية التقاطها، حتّى وإن تم الاهتداء لحل مشكل الريف هي أن المنظومة الحالية لا يُمكن التعويل عليها لتأطير الفعل المدني وامتصاص غضب الشارع عند الضرورة، وهو ما يستوجب البحث في أسباب المسافة التي أخذها الحراك من الأحزاب والمُنظّمات.





 مظاهرات الريف



هل آن الأوان ليتدخّل الملك؟



دخلت الاحتجاجات منعرجًا جديدًا باعتقال الزفزافي وعشرات الآخرين وفق ما تداولته تقارير هيئات حقوقية. هذه الاعتقالات التي أتت ضمن إطار تحريك دعاوى قضائية باسم النيابة العمومية، دفعت الحراك الاجتماعي المغربي لوضع مطلب إطلاق سراح زعمائه على رأس المطالب المرفوعة وقبل الحديث عن أي موضوعٍ آخر، الأمر الرّاجع قانونيًا للملك الذي بيده إصدارِ عفوٍ ملكيّ وفق ما يسمح به الدّستور المغربي.



وبالإضافة لما سبق، الجدير بالمُلاحظة هو أنّ الحراك الاحتجاجي، بالرغم من كل لحظات التّشنّج فيه لم يُسجّل عليه استهدافه للملك في شخصه، أي أن الملك، بالرغم من الأزمة، حافظ على مكانته الاعتبارية لدى ساكنة الريف الذين يُطالبون بدورهم أن يُخاطبوا المؤسسة الملكية مُباشرةً دون المرور عبر الحكومة، ما يُؤهّله للعب دور تحكيمي ينزع به فتيل الأزمة.



في المُقابل؛ سيطرح تدخّل الملك إحراجين اثنين، فأما الأوّل فيتعلّق باحترام السّلطة القضائية خاصّة بعد مُطالبة الحكومة باحترام القضاء، والنيابة العامة التي وجّهت اتهامات ثقيلة للنشطاء المُعتقلين، ذهب بعضها إلى حد تكييف التّهم مع قانون الإرهاب.



وأمّا الثاني فهو حرج سياسي: تدخّل الملك الذي طالما حاول النأي، ظاهرًا على الأقل، عن الملفات الموكولة للحكومة، سيكون بمثابة إطلاق رصاص الرّحمة عليها ولن تكون قادرة على التعاطي مع أية أزمة في المُستقبل.




تعليقات