حفل تنصيب الأمير حسين كامل سلطانا علي مصر : أحداث جسام

السبت 17 يونيه 2017   9:37:00 م - عدد القراء 7415

حفل تنصيب الأمير حسين كامل سلطانا علي مصر : أحداث جسام




في التاسع عشر من ديسمبر ١٩١٤ وقعت بمصر أحداث جسام . تم إعلان الحماية البريطانية علي مصر . وإسقاط ولاية الدولة العثمانية . وعزل الخديوي عباس حلمي الثاني ، الذي كان موجودا في الآستانة آنذاك ، ويناصب الحكومة البريطانية العداء .. وفي ذات الليلة تم إعلان الأمير حسين كامل سلطانا علي مصر .. ‏



فى يوم الأحد 20‏ ديسمبر بدأت الإحتفالات بالسلطان الجديد . تم تعطيل‏ "وزارات الحكومة وجميع المصالح الأميرية بالقاهرة وبسائر أنحاء القطر المصرى",‏ وفى ظهر نفس اليوم أطلق21 مدفعا من الخرطوم ومصر والإسكندرية وبورسعيد ، تبعها فى اليوم التالى إطلاق نفس العدد من المدافع فى ذات المدن‏. ‏



فى الساعة العاشرة من صباح الأحد خرج موكب السلطان الجديد ‏. من قصر إبنه إلى قصر عابدين‏ "مجتازا شارع سليمان باشا فشارع قصر النيل فشارع عماد الدين فشارع المغربى بين صفين من الجند البريطانى فى جانبى طريقه راكبا مركبة سلطانية يجرها أربعة جياد ومحفوف بكوكبة عظيمة من الحرس السلطانى المصرى وأخرى من فرسان الجيش البريطانى ومن خلفه مركبات أخرى سلطانية تقل أصحاب السعادة الوزراء وكبار موظفى القصر السلطانى ‏



Image result for ‫جنازة حسين كامل‬‎



بدأت وقائع الإحتفالات بأداء يمين الطاعة للسلطان الجديد . أدى الضباط المصريون والإنجليز العاملين فى الجيش المصرىببب واجب التبريك انتقلوا إلى ثكنة قصر عابدين فحلف الأولون منهم اليمين وكان نصه‏: "أقسم بالله ثلاثا وبكتبه وبرسله وذمتى وشرفى واعتقادى أن أكون صادقا مخلصا أمينا لصاحب العظمة حسين كامل سلطان مصر ولحكومته السنية مطيعا لجميع أوامره الكريمة ولجميع الأوامر الحقة التى تصدر إلى من رؤسائى منفذا لإرادة عظمته فى البر والبحر داخل وخارج القطر‏". ‏



اختلف بالطبع يمين الضباط البريطانيين‏,‏ وكان قصيرا ونصه‏: "أعلن بشرفى باعتبارى ضابطا وذا شرف اننى فى خدمتى لصاحب العظمة حسين كامل سلطان مصر فى مدة شروط خدمتى الحالية أو التالية أقوم بأداء الواجبات التى تعهد إلى بإخلاص وأمانة‏". ‏



ثمة ملاحظة لا ينتبه إليها إلا من قرأ الوثائق البريطانية وعقد مقارنة بين ما نشرته الأهرام . ‏ فقد بدأت الأهرام بتوصيف حسين كامل‏ "بسلطان مصر والسودان‏",‏ فى عددها الصادر يوم18 ديسمبر زفت الأهرام خبر تولى الرجل عرش السلطنة تحت عنوان‏ "السلطان الكامل حسين الأول سلطان مصر والسودان‏",‏ وهو ما ظلت تفعله لأربعة أيام تالية‏,‏ لكنها لم تلبث أن توقفت عن استخدام هذا التوصيف واكتفت بتلقيبه بسلطان مصر فيما نلاحظه ابتداء من الخبر الذى نشرته يوم‏22‏ ديسمبر تحت عنوان‏ "التغيير القضائى الشرعى فى القطر المصري‏-‏ سلطان مصر يولى القضاة‏". ‏



أسباب هذا التغيير تكشف عنها الوثائق البريطانية‏,‏ ففى التعليمات التى بعثت بها الخارجية البريطانية لممثلها فى العاصمة المصرية في27 نوفمبر علقت موافقتها على منح لقب السلطان أن يحذف تماما منه أية إشارة إلى السودان‏,‏ وهو ما لم يكن قد نمى إلى علم الأهرام وغيرها من الصحف المصرية إلا بعد وقت‏.



Image result for ‫السلطان حسين كامل‬‎



‏ من جانب آخر حرص البريطانيون على إظهار كونهم قد استأثروا تماما بالسلطة فى البلاد فلم يتم تبادل‏ "رسائل التهانى والولاء‏" سوى بين ملك إنكلترا والسلطان‏,‏ ثم بينه وبين اللورد كتشنر‏,‏ هذا فضلا عن أن حسين كامل لم يزر إلا ممثل بريطانيا فى القاهرة‏,‏ فيما نشرته الأهرام فى خبر جاء فيه‏: "يركب عظمة السلطان من قصر عابدين الساعة السادسة مساء إلى الوكالة البريطانية فى موكب فاخر مهيب ويقابل بما يقتضيه مقامه السلطانى العالى من التجلة والإكرام ثم يعود إلى القصر‏"! ‏



تبع ذلك استبدال الراية العثمانية ذات الهلال والنجمة التى تتوسطه إلى الراية المصرية ذات الثلاثة أهلة التى يتوسط كل منها نجمة‏..‏ يصف مراسل الأهرام فى الإسكندرية المظاهرة التى صاحبت هذا التغيير فى رسالة بعث بها إلى الصحيفة يوم19 ديسمبر كان مما جاء فيها‏: "اتشحت المدينة منذ البارحة حلة قشيبة من الرايات المختلفة الأشكال والألوان ما عدا الراية العثمانية فكان طى هذه الراية اليوم أكبر علائم هذا التغيير الخطير‏". ‏



ويستطرد مراسل جريدتنا فى الثغر فى رصد هذا التغيير فيقول أنه قد ورد على المحافظة‏ "أمر من نظارة الداخلية بأن تصنع لمصالح الحكومة فى الثغر رايات جديدة بقدر عددها من طراز الراية المثلثة الأهلة والنجوم وأن تطوى الراية العثمانية اليوم الظهر تماما عند إطلاق المدافع إجلالا لإلقاء مقاليد السلطنة المصرية إلى السلطان الجديد وتنشر الراية الجديدة بدلا منها‏". ‏



بقى بعد كل ذلك الدعاء باسم السلطان المصرى فى المساجد فى خطب الجمعة بعد أن ظل هذا الدعاء باسم السلطان العثمانى لما يناهز الأربعة قرون‏,‏ ثم بعد ذلك فى صلوات الكنائس الأمر الذى تابعته الأهرام فى أكثر من خبر‏..‏ كان منها‏: "أقيمت فى كنيسة اللاتين بالموسكى صلاة حافلة ابتهالا إلى الله بتأييد عظمة السلطان وتوفيقه فى خدمة السلطنة المصرية حضرها حضرات الوزراء المصريين والجنرال مكسويل قائد القوات البريطانية العام فى القطر المصرى والأمين العام فى الديوان العالى السلطاني‏..‏ وأقيمت لهذا الغرض نفسه فى كنيسة الأقباط الكاثوليك بملوى صلاة حافلة كذلك حضرها جمهور من الموظفين والعمد والأعيان دعوا فيها لعظمة السلطان بالنصر والتأييد والعمر المديد .‏ ‏



السلطان حسين كامل



وكان على أشهر سلاطين مصر فى التاريخ الحديث أن يشرع فى مزاولة مهامه‏,‏ وكانت صعبة‏..‏ انصرف بعض هذه المهام إلى ترتيب البيت من الداخل مما نكتشفه من مجموعة التغييرات التى أحدثها الرجل فى الهيئة العاملة فى قصر عابدين‏,‏ وكان مما ساعد حسين كامل على إنجاز هذه المهمة أن عددا من رجال الخديوى السابق كانوا بصحبته خلال رحلته الأخيرة إلى الخارج‏,‏ الأمر الذى مكن السلطان من وضع عدد من خلصائه فى الأماكن الشاغرة‏. ‏



عين‏ السلطان في اليوم الأول لولايته”حضرة الناظم والناثر المشهور ولى الدين يكن بك الكاتب فى نظارة الحقانية ، وكاتبا لأسرار سعادة الشيخ الجليل محمود شكرى باشا رئيس ديوان الحضرة السلطانية . وفي الأيام التالية صدرت الإرادة السلطانية "بتعيين حضرة عزتلو إبراهيم رمزى بك رئيسا لقلم الترجمة فى الديوان السلطانى ، وحضرة مراد وهبة بك نجل سعادة يوسف وهبة باشا وزير المالية تشريفاتيا ، وحضرة اليوزباشى مصطفى أنور أفندى كجوك أحد ضباط بوليس مصر قومندانا لبوليس القصر السلطانى",‏ وتتالت التعيينات فى المعية السلطانية بعد ذلك حتى أنه يمكن القول أن الطاقم الذى كان يعمل فى سراى عابدين فى ظل الخديوية قد تغير بالكامل‏. ‏



جانب آخر من تلك المهام انصرف إلى تقطيع الرابطة الأخيرة التى ظلت تربط مصر بالدولة العثمانية‏..‏ والمعلوم أنه بعد الاحتلال البريطانى لمصر عام1882 بقيت أربع من تلك الروابط‏..‏ المندوب السامى التركى الذى تم ترحيله من البلاد بعد قيام الحرب‏,‏ الجزية التى كانت تدفعها المالية المصرية للخزينة العثمانية والتى توقفت عن دفعها بعد أن ضمنت مصر أحد الديون العثمانية فى مقابل هذه الجزية‏,‏ الفرمان الشاهانى الذى كان يصدر بتسمية الحاكم الجديد من أبناء أسرة محمد على لدى انتقال الحكم إلى أحد أبنائها‏. ‏



بقيت من كل تلك الروابط التى لم ينجح المحتلون فى الاقتراب منها تلك الخاصة بتعيين قاضى مصر المسئول عن القضاء الشرعى فى مصر المحروسة‏,‏ وقد تهيب الإنجليز من الاقتراب من تلك الرابطة لطبيعتها الدينية‏,‏ ولما يمكن أن يترتب على هذا الاقتراب من إثارة المشاعر الدينية لدى جموع المصريين‏ . وفي ٢٢ ديسمبر إنتقلت سلطة تعيين القضاء الشرعي من الخليفة العثماني الي السلطان المصري .. وهكذا إنتهت الروابط تماما بالخلافة العثمانية ..







تعليقات