تونس : احتجاجات في تطاوين من اجل العمل

الاتنين 3 يوليو 2017   1:21:40 م - عدد القراء 107


تونس : احتجاجات في تطاوين  من اجل العمل



شهدت محافظة تطاوين في جنوب تونس حالة من الاحتقان المجتمعي وحراك احتجاجي متواصل منذ منتصف شهر مارس/آذار يطالب بالحق في العمل، والحق في التنمية والتوزيع العادل للثروة. وقد تحوّل هذا الحراك إلى اعتصام مفتوح في منطقة الكامور – التي تبعد حوالي 110 كم من مركز المدينة، وتعتبر نقطة عبور هامة لإمدادات شركات النفط والغاز المتواجدة بالصحراء التونسية – بدأ في الثالث من أبريل/نيسان الماضي، حيث طالب فيه المحتجون بـ 20% من إيرادات الغاز لتنمية المنطقة وفرص عمل لسكان المحافظة.



وعلى الرغم من توصل الحكومة في منتصف شهر يونيو/حزيران إلى اتفاق مع المعتصمين لإنهاء اعتصامهم، في مقابل تعهدها بتشغيل 1500 شاب من تطاوين، وتخصيص 80 مليون دينار تونسي لصندوق التنمية والاستثمار في المحافظة، فإن هذه الاحتجاجات تطرح الكثير من علامات الاستفهام حول الاستقرار السياسي في تونس، خاصة مع قرار الرئيس التونسي في العاشر من مايو/أيار الماضي نشروحدات من الجيش لحماية المنشآت النفطية والحيوية و”المحافظة على هيبة الدولة”.



العمق التونسي المَنسي مصدِر للاضطرابات الاجتماعية  



تمثل احتجاجات تطاوين حلقة من حلقات الصراع بين الحكومة وسكان المناطق الداخلية المهمشة، فقد شهدت تونس خلال شهر مايو فقط 1533 احتجاج في هذه المناطق، ويبلغ معدل البطالة في منطقة تطاوين وحدها 32%، ويرتفع بين حاملي الشهادات إلى 51%، ويعتبر من أعلى المعدلات في تونس، مما يفسر استمرار الاضطرابات هناك، وتطورها إلى اعتصام مفتوح، حيث حاول الشباب الغاضب دفع حكومة الشاهد للرضوخ لمطالبهم عن طريق قطع حركة مواصلات إنتاج ونقل النفط والغاز في تلك المنطقة الاستراتيجية، التي تحتوي على 40% من الثروة النفطية في تونس، ويطالب المعتصمون في الكامور بحقهم في 20% من استغلال ثروات منطقتهم. أثّر الاعتصام بشكل سلبي على الاستثمارات الأجنبية في قطاع الطاقة بتونس، حيث قررت شركات نفطية سحب عامليها أو بيع حِصص من استثماراتها بتونس، مما يزيد من تعقيد الوضع الاقتصادي والمالي الهش أصلا في البلاد. وارتفعت حدة التوتر بعد نشر قوات من الجيش لحماية المنشآت النفطية، التي اشتبكت مع مجموعات من الشباب المعتصم في الكامور.



إن تواصل الاحتجاجات في المناطق الداخلية التونسية بعد ست سنوات من الانتفاضة التي أطاحت بنظام بن علي، يعود في الأصل إلى تراكم الشعور بالتهميش والإقصاء، نتيجة تركيز معظم مخططات التنمية منذ الاستقلال في المناطق الساحلية على حساب المناطق الداخلية والحدودية؛ سياسة التهميش هذه ازدادت تعقيداً بعد وصول زين العابدين للحكم في 1987، حيث تم اعتماد نموذج تنموي يعتمد على شقين، تصدير سلع منتجة منخفضة القيمة وتطوير السياحة، مما أدى إلى التركيز على تطوير البنية التحتية في الساحل والمناطق القريبة منه. وكنتيجة طبيعية، تمإهمال قطاع الفلاحة، النشا ط الاقتصادي الأهم في المناطق الداخلية، حيث يساهمفي تشغيل حوالي 16.3% من اليد العاملة، ونصيبه من الناتج المحلي الإجمالي حوالي 8.15%. إهمال تنمية المناطق الداخلية حولها تدريجيا إلى مجرد خزان بشري للعِمالة المتدنية الكلفة والموجهة للصناعة الاستخراجية وقطاع الخدمات المتواجد بالمناطق الساحلية، حيث يمثل نصيب مدن تونس وسوسة وصفاقس مجتمعة من الناتج المحلي الإجمالي نسبة 85%.



لم تحقق حكومات ما بعد الانتفاضة طموحات سكان المناطق الداخلية في العدالة الاجتماعية وتوفير فرص العمل، على الرغم من تأكيدها على أولوية التنمية الجهوية، إلا أن الدولة في الواقع قامت باتخاذ إجراءات سريعة ولكنها غير فعالة، تمحورت أغلبها حول توظيف الشباب في القطاع العام؛ هذه السياسة ساهمت في إطالة وتأزيم الأوضاع أكثر؛ توضح المؤشرات الاقتصادية إلى استمرار عدم التوازن في التنمية  بين المناطق، حيث تلامس نسبة البطالة حدود  الـ 30% في المناطق الداخلية، بينما يبلغ المعدل الوطني 16.5%. اقتصاديا، تتواجد 13% فقط من الشركات الأجنبية في تونس في المناطق الداخلية الفقيرة، وتسهم فقط بـ 16% فقط من مجموع فرص العمل في تلك المناطق. هذا الوجود الضعيف للاستثمار، وعدم التوزيع العادل للاستثمار جغرافيّا خلّف آثار اجتماعية سلبية، ساهمت في رفع معدلات الفقر في المناطق الداخلية إلى مستويات تبلغ أحيانا ضعف المعدل الوطني.



يظل الفساد أكبر التحديات في تونس رغم محاولات تفكيك شبكاته المنتشرة في مفاصل الحكم على المستوى المركزي والمحلي، فعلى سبيل المثال يكلف الفساد في الصفقات العمومية فقط، حسب الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، الخزينة العمومية 2 مليار دينار تونسي أي ما يعادل 800 مليون دولار، ويؤثر تركزه في المؤسسات المكلفة مركزيا بعملية اتخاذ القرار سلباً على الاستثمار الموجه لِلمناطق الداخلية. تمارس هذه الشبكات المكونة من مسؤولين حكوميين ورجال أعمال التأثير على مقدرات الدولة خاصة في مجال القروض ورخص الأنشطة المربحة اقتصاديا، ولها القوة الكافية للتأثير على سياسات الإدارة العمومية مركزياً ومحلياً. 



من حديث التنمية إلى حديث العسكرة 



ساهمت ارتدادات الاضطرابات الإقليمية التي تلت الانتفاضات العربية في تعقيد الأوضاع الاقتصادية بالمناطق الداخلية الحدودية، حيث اغتنمت الجماعات المتطرفة انهيار السلطة المركزية في ليبيا، وعودة بعض الجماعات المتطرفة التابعة للقاعدة للنشاط على الحدود لخلق مثلث بين تونس والجزائر وليبيا لتهريب الأسلحة والمقاتلين، مما استدعى حلولاً أمنية من جانب الحكومة التونسية؛ أثر ذلك بالسلب على حياة ساكني تلك المناطق، الذين مارسوا أنواع مختلفة من التهريب الحدودي لعقود طويلة كنمط اقتصادي اجتماعي للتغلب على غياب التنمية المحلية، معظم هذه النشاطات كانت تمارس بتواطؤ شبكات متداخلة تشمل مسؤولين أمنيين ورجال أعمال محليين يمثلون أقوى القبائل المنتشرة على الحدود. غير أن تصاعد التهديدات الأمنية منذ 2013 وتحولها إلى اشتباكات مع قوات الأمن التونسية على الحدود مع الجزائر وليبيا، مثّل نقطة تحول النقاش حول المناطق الحدودية من نقاش حول ضرورة التنمية إلى نقاش مرّكز حول ضرورة عسكرة الحدود مع ليبيا والجزائر؛ تم تجسيده في استراتيجية أمنية لتفكيك شبكات التهريب، قللت بشكل كبير من الأنشطة العابرة للحدود، وقضت على المداخيل المالية المرتبطة بها لكثير من العائلات، دون أن تطرح الحكومة البديل الجاد لتعويض السكان، مما شكّل قناعة لديهم أن الدولة تنظر إليهم كسكان مناطق عازلة تحتاج إلى معالجة أمنية فقط.



إن انتقال الشباب الغاضب إلى تنفيذ تهديداته بتعطيل الإنتاج لثروة وطنية يعكس مدى تمكن اليأس من السلطات المركزية، التي يعتبرونها متواطئة في نهب ثرواتهم. إن التهديد الحقيقي من جهة، يكمن في تزامن هذه الاحتجاجات مع تصاعد الخطاب الجهوي في تونس، الأمر الذي يطرح احتمال تحول المناطق الهامشية – خاصة الحدودية – إلى مناطق تمارس الدولة فيها سيادة محدودة، مما قد يحد من قدرتها على فرض سلطتها على هذه الأقاليم. من جهة أخرى، قد يمثل غضب الشباب وتآكل شرعية الدولة فرصة للخلايا المتطرفة لتجنيد الشباب في صفوفها. 



مواجهة هذا الواقع الجديد الذي يعكس تهديداً للاستقرار في تونس يتطلب إصلاحا عميقا خاصة لأبنية الحكم المحلية، مما يجعلها قادرة على مواكبة تنفيذ السياسات التنموية المحلية بالتعاون مع القطاعات المتخصصة؛ وتوافر إرادة سياسية لفرض التغيير داخل في مؤسسات الدولة التي تعاني من وجود شبكات فساد داخلها، تحد من قدرتها على فرض القانون وضبط الاقتصاد والتوزيع العادل للموارد، وترفع من مستوى فعالية هذه المؤسسات التي تعاني من ضعف التنسيق بين مختلف قطاعاتها مما يؤثر على وضع رؤية منسجمة للتنمية الجهوية.







تعليقات