العمليات العسكرية التركية في ادلب السورية

الاتنين 17 يوليو 2017   1:51:20 م - عدد القراء 67


العمليات العسكرية التركية في ادلب السورية



كثر الحديث في أوساط الصحافة التركية، وخاصة المقربة من الحكومة، عن عملية عسكرية تركية ضد “التنظيمات الإرهابية” في سوريا، كما أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان صرح شخصياً عن عملية عسكرية قريبة في سوريا على غرار عملية “درع الفرات“، التي أعلنت تركيا انتهائها في نهاية شهر مارس/آيار الماضي. رافق هذه التصريحات أنباء عن حشود وتعزيزات عسكرية تركية على الحدود السورية في كل من ولايتي كلس وهاتاي مقابل مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية في منطقة عفرين، ومقابل الحدود الإدارية لمحافظة إدلب، وانتشرت قوات إضافية في ريف حلب الشمالي في منطقة اعزاز.



ولكن المتابع للتصريحات التركية على مدار سنوات الثورة في سوريا يعلم أن تركيا تعمد غالباً إلى إطلاق الكثير من التصريحات، وتراقب ردود أفعال القوى المختلفة المؤثرة في سوريا، ثم تتخذ الإجراءات العملية بناء على ردود الأفعال هذه دون أن تدخل في مواجهة مباشرة مع هذه القوى. 



بالتأكيد، تركيا تريد أن تزيد نفوذها وتأثيرها في سوريا، كما من المؤكد أنها تعمل على تحجيم دور قوات سوريا الديمقراطية، التي ترى فيها امتداداً لحزب العمال الكردستاني، صاحب التاريخ الطويل في الصراع مع كل الحكومات التركية المتعاقبة على مدار سنوات.



ولكن السؤال المهم هنا هل سترفع أمريكا الغطاء عن أهم حلفائها في محاربة تنظيم داعش؟ وهل ستسمح لتركيا بالسيطرة على مدينة عفرين ثاني أهم مناطق الأكراد السوريين بعد القامشلي؟



هذا الأمر يبدو معقداً وربما مستبعداً خاصة أن الإدارة الأمريكية كانت ولازالت تطلب من جميع حلفائها تأجيل جميع الخلافات والتركيز على إنهاء وجود تنظيم داعش. كما أن الولايات المتحدة رفضت كل العروض التي قدمتها تركيا بخصوص مشاركة القوات التركية وقوات الجيش السوري الحر في معركة تحرير الرقة من تنظيم داعش، تلك القوات التي كان من المفترض أن تدخل عبر تركيا إلى تل أبيض، ومنها الى الرقة للمشاركة في هذه المعركة. إضافة الى انتشار قوات روسية في منطقة عفرين في شهر مارس/آذار الماضي، والذي جاء بطلب من قوات سوريا الديمقراطية، ولنفس السبب وهو الخوف من عملية عسكرية تقودها تركيا باتجاه عفرين.



وفي ظل كل هذه التعقيدات، تظل الخيارات التركية محدودة للحفاظ على مصالحها في هذه المنطقة، وفي القلب منها منع قيام دولة كردية على حدودها تهدد أمنها القومي.  وبناءً عليه، فإن المعركة المحتملة من جانب تركيا ربما تقتصر على مدينة تل رفعت والقرى العربية الأخرى التي سيطرت عليها قوات سوريا الديمقراطية في نهاية عام 2015، والتي يتوزع أهلها على مخيمات اللجوء في ريف حلب الشمالي بعدد يقارب الـ 200000 ألف لاجئ. إلا أنه على الأرجح ستكون وجهة العملية العسكرية التي تحدث عنها الرئيس التركي هي محافظة ادلب، أو على الأقل وإن حدث ما هو مستبعد وبدأت معركة باتجاه عفرين فإن إدلب ستكون جزء من هذه العملية.



لماذا إدلب؟



إدلب هي المحافظة الوحيدة التي تسيطر عليها المعارضة بشكل كامل، وهي المنطقة التي استقبلت موجات التهجير المتتالية من مناطق سوريا المختلقة، ولكن وجود وانتشار جبهة فتح الشام ـ جبهة النصرة سابقا ـ فيها يعطي الذريعة لكل القوى للتدخل فيها، وهي نفس الذريعة التي كررها ويكررها الروس والإيرانيون وقوات النظام في كل المناطق، حتى المناطق التي كان تواجد النصرة فيها محدوداً مثل حلب والغوطة الشرقية، لذلك فإن إنهاء وجود جبهة النصرة في إدلب ضرورة بالنسبة لتركيا وذلك لعدة أسباب.



أولاً: العدد الكبير جداً في أعداد اللاجئين في تركيا الذي وصل إلى 3 ملايين لاجئ تقريبا حسب الاحصائيات الأخيرة، تركيا لم تعد تحتمل موجة نزوح كبيرة جديدة قد تحدث بسبب أي هجوم محتمل للنظام وحلفائه ضد المعارضة في إدلب و ريف حلب الغربي، فانتشار القوات التركية في إدلب سيمنع حدوث مثل هذا الهجوم. في هذا السياق، فإن تركيا ستستغل دعمها لقطر في أزمتها الخليجية لتزيد نفوذها في سوريا، وتدخل إدلب بدون احتمال مواجهة او اعتراض من حلفاء قطر المحليين، سواء حركة أحرار الشام المدعومة من قطر بشكل مباشر، أو هيئة تحرير الشام والتي تملك قطر تأثيراً قوياً عليها. وقد سبق لتركيا أن عملت خلال الشهر الماضي على إضعاف التأثير القطري في ريف حلب الشمالي، وذلك من خلال انهاء وجود عدة فصائل مدعومة من قطر مثل حركة نور الدين الزنكي التابعة لهيئة تحرير الشام، ولاحقا هجوم بعض الفصائل على حركة أحرار الشام.



ثانياً: فإن تركيا تسعى من خلال دخول إدلب لمنع تمدد مقاتلي سوريا الديمقراطية على الشريط الحدودي من جهة إدلب، انطلاقا من عفرين باتجاه الغرب إلى مدن وبلدات ريفي حلب وإدلب، وهذا ما سبق وأشار إليه “ابو علي برد” قائد جيش الثوار وهو جزء من قوات سوريا الديمقراطية، وصرح به أيضاً سيبان حمو المتحدث باسم وحدات حماية الشعب الكردي، حيث قال أن دخول إدلب ربما يكون بعد معركة الرقة.



ثالثاً: دخول تركيا إلى مناطق إدلب إن حدث لن يواجه باعتراض من الأهالي الذين عرفوا التجربة الأولى لتركيا في ريف حلب الشمالي، والتي نجحت نسبياً في عدة أمور أهمها خلق حالة استقرار ساهمت في عودة الكثير من اللاجئين إلى بيوتهم وأعمالهم بعد هجرها لسنوات.



إن دخول تركيا لإدلب سيمنع تمدد القوى المعادية للثورة ودخولها إلى مناطق إدلب سواء قوات الأسد أو قوات سوريا الديمقراطية، ولكنه بالمقابل سيضعف القرار العسكري لقوى الثورة العسكرية وسيحد من إمكانية فتح معارك كبيرة مهمة؛ وهذا ما يحدث في ريف حلب الشمالي، حيث لا تستطيع الفصائل العسكرية عموما الخروج عن الإرادة التركية في فتح أي معركة إلا في حالات محدودة أو عمليات نوعية صغيرة.



في النهاية مهما بلغ حجم المصالح المشتركة بين تركيا والثورة السورية، ومهما كان الامتداد التاريخي والاجتماعي والديني لها في سوريا، فإنها تبقى جزء من منظومة دولية كاملة تحكمها المصالح بعيداً عن العواطف والمشاعر، وفيها تستغل الدول جميع الظروف والمتغيرات لتعزيزها أمنها وتحقيق مصالحها. لذلك بالنسبة لتركيا ستكون المصلحة التركية هي الأولوية دائماً في أي خطوة وعند عقد أي اتفاق.  



achariricenter







تعليقات